فرناند بروديل هو أحد أشهر المؤرخين الفرنسيين خلال القرن العشرين بل وأحد أكبر المؤرخين الذين عرفهم العالم حتى اليوم. وهو أحد مؤسسي المدرسة الفرنسية الجديدة لكتابة التاريخ المعروفة باسم «مدرسة الحوليات» التي رأت النور في ثلاثينات القرن الماضي «العشرين».
والمؤرخ ورجل القانون الفرنسي «ايفل لوموان» يقدم كتابا عن سيرة حياته تحت عنوان: «فرناند بروديل، طموحات مؤرخ وأشكال قلقة». والجدير بالذكر أنه كان قد تعرّف شخصيا على بروديل عام 9791 وبقي قريبا منه بعد ذلك حتى وفاته عام 1985.
ويحدد مؤلف هذه السيرة مهمته منذ البداية بالقول إنه يريد أن يوضّح «طموحات» المؤرخ فرناند بروديل والأسئلة التي كان يطرحها على نفسه وما حققه، وما لم يستطع تحقيقه، من إنجازات ومصادر قلقه. وهو يقصد بالتحديد «القلق الذي يمكن استشفافه من أعماله». بمعنى أنه ليس «قلقا بسيكولوجيا» ولكنه بالأحرى من «طبيعة علمية». ذلك أن بروديل كان يراوده «قلق كبير» فيما يخص «المعنى الجديد» الذي ينبغي أن يأخذه التاريخ في «جوقة» العلوم الاجتماعية، بل وبالتحديد أكثر «القلق» الذي كان مصدره «حوار» التاريخ المقطوع مع العلوم «الدقيقة»، العلوم الصرفة، مثل الفيزياء والرياضيات ــ التي أحدثت نظريات انشتاين نوعا من «إعادة صياغتها» فيما يتعلق بنسف الأفكار المتعلقة بالزمان والمكان اللذين كان المؤرخون «يتحركون» في مجالهما حتى ذلك الوقت.
و«زمان ومكان ــ مجال ــ التاريخ» هو عنوان القسم الأول من الكتاب الذي يحتوي على قسم آخر تحت عنوان «الجغرافيا التاريخية».
وعلى مدى الفصول الثمانية التي تتوزع بينها مادة الكتاب، يدعو المؤلف قارئه إلى إعادة قراءة تلك الحوارات التي دارت بين مؤسس البنيوية كلود ليفي ستروس والمؤرخ فرناند بروديل منذ ثلاثينات القرن الماضي لفهم عمق «المنعطف» الذي شرع به هذا المؤرخ فيما يتعلق بفهم التاريخ. وينقل عنه المؤلف قوله: «إن الزمن التاريخي جرى تخريبه بصورة مستدامة»، ذلك أن الزمن نفسه «عرف تحوّلا نوعيا».
إحدى المقولات الأساسية التي يؤكد عليها بروديل في سيرورة التاريخ هو أن التبدلات العميقة ــ المنعطفات- تتم على ما يسميه «المدى الطويل» بحيث أنها تستغرق أجيالا كاملة. وينقل عنه المؤلف قوله: «إن الهدف السري للتاريخ، ودافعه العميق، ليس شرح وتفسير ما هو معاصر». ومقولة أساسية أخرى أكّد عليها بروديل هي تأكيده على أن دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية في صياغة تاريخ مجتمعاتها وفي صياغة «قواعد الحضارات»، كما جاء في أحد عناوين كتبه.ويشير المؤلف أن بروديل، المولود في قرية صغيرة ظل مرتبطا جدا بأصوله الفلاحية وكان يردد دائما باعتراف «أنا مؤرخ من أصل فلاحي».
كما كان يردد دائما «نحن أبناء اللورين»، أي المنطقة التي تعود أصوله إليها. وكان قد مارس مهنة تدريس مادة التاريخ أولا في الجزائر حيث كانت في ظل الاستعمار الفرنسي خلال سنوات 1924-1932، وذلك في مدينة قسنطينة أولا ثم في العاصمة الجزائر. وكان بروديل قد اختار موضوعا لنيل الدكتوراه عن «البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني»، وهو أيضا عنوان كتابه الشهير الذي يعتبره مؤلف هذا الكتاب أحد أهم، إن لم يكن أهم، الكتاب التاريخية الصادرة في القرن العشرين.
وهذا الكتاب مترجم إلى لغات عديدة في عدادها الانكليزية والاسبانية والألمانية والبرتغالية والتركية والصينية والكورية والروسية، الخ.ويحدد المؤلف القول إن بروديل ميّز بين «ثلاثة» أزمنة تاريخية. هناك أولا التاريخ شبه الجامد، المستقر، الذي لا يكاد الإحساس بـ«تقلصاته» ممكنا. وهذا الزمن التاريخي يخص بالتحديد العلاقة مع البشر ومع الوسط المحيط.
أما الزمن الثاني فيخص التاريخ «المتحرك ببطئ»، ويقصد فيه بروديل الزمن الاجتماعي الذي يخص فعل المجموعات الإنسانية الضمني، أي الذي يحدث في عمق المجتمعات بحيث لا يبدو منه الشيء الكثير على السطح.
وأخيرا الزمن الثالث الذي يخص «التاريخ المتحرك على السطح»، أي الذي يعرف «أحداثا ـــ منعطفات» في تاريخ المجتمعات كنتيجة لـسالعمل البطيء» للمجموعات الاجتماعية» على المدى الطويل.ولم يكن بروديل ينظر إلى الرأسمالية التي تمثل تعبيرا أوروبيا صريحا عن حضارة مادية خلال القرون الخامس عشر إلى الثامن عشر على أنها «إيديولوجيا». بل كان يعتبرها بالأحرى «منظومة اقتصادية» ولّدتها «تدريجيا» إستراتيجيات البحث عن السلطة.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى جدل كبير أثارته آراء فرناند بروديل حول مسائل الهويات وخصوصيات كل حضارة في العالم بحيث اعتبره البعض أحد المرجعيات الأساسية في أطروحة صموئيل هنتنغتون حول «صدام الحضارات».
الكتاب: فرناند بروديل، طموحات مؤرخ وأشكال قلقه
تأليف: ايف لوموان
الناشر: ميشيل دومول باريس 2010
الصفحات: 301 صفحة
القطع: المتوسط
Fernand Braudel
Yves Lemoine
Michel De Maule ــ Paris- 2010
301p.