شاعت عن هوليود فكرة مفادها أنها بمثابة أحد «معاقل» نشر أفكار اليسار اللبرالي الأميركي. لكن الصحفي والباحث في مسائل العلاقة بين السلطة والسياسة في مجال الصناعة السينمائية يشرح في كتابه الذي يحمل عنوان «القوة الحقيقية» أن هوليود «تتلاءم بعمق» مع كل ما يخدم مصالح القوى الأميركية الأكثر «رجعية» على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.
كذلك يبتعد مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته عن مقولة شائعة أخرى مفادها أن الأفلام التي تنتجها هوليود لا ترمي سوى إلى «التسلية». ما يؤكده، عبر النظر مليّا في مضمون العديد من الأفلام التي أنتجتها عاصمة السينما، هو أن الصناعة السينمائية الأميركية تروّج بالأحرى لأفكار الجناح «الأكثر يمينية» في الولايات المتحدة، وهذا منذ نشأة هذه الصناعة. ومن المظاهر التي يتم التأكيد عليها هو التقارب أكثر فأكثر في المجتمع الأميركي بين السياسة والثقافة. هذا خاصة مع واقع الامتداد والتوسع الذي عرفته وسائل الإعلام بكل مستوياتها ومشاربها بحيث أنها تغلغلت عمليا في جميع ميادين الحياة العامة، وبالتواكب والتوازي مع هذا «التغلغل الإعلامي» الذي يخدم دوائر القرار السياسي. تعاظمت «القوة الإمبريالية» للولايات المتحدة مؤدية في نفس المنحى إلى «العسكرة التدريجية» للمجتمع الأميركي وانعكاس ذلك على الثقافة الشعبية.
إن المؤلف يقدم أمثلة عديدة لأفلام أنتجتها هوليود في مثل ذلك السياق ويبيّن مدى «التناغم» بينها وبين وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون»، وكذلك مدى حرصها على تحسين صورة الجيش الأميركي. ويصل ماتيو الفورد إلى القول أن السينما الهوليودية تمثل نوعا من «سينما الأمن القومي» الأميركي.
ومثل هذا التوصيف يراه منطبقا على الكثير من الأفلام التي يتم توصيفها أنها «أكثر لبرالية» مثل «فندق رواندة» و«الملوك الثلاثة». ويعتبر أن مثل هذه الأفلام تحاول تقديم «رؤية بديلة للسياسة الأميركية»، ولكنها تخدم نفس الوظيفة التي تقوم بها الأفلام «ذات النزعة العسكرية». وفي جميع الحالات يشير المؤلف إلى ضرورة أن لا يغيب عن الذهن الدور الذي تلعبه المجموعات الاقتصادية الكبرى وعلى رأسها الشركات متعددة الجنسيات، ودور وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في الإنتاج السينمائي الهوليودي.
ويتم التذكير في هذا السياق بواقع أن هوليود لم تكن بعيدة عن «تغليف» الدعايات الإيديولوجية بقالب من «التسلية». هكذا كانت قد أنتجت خلال سنوات 1948-1954 ما يزيد عن 40 فيلما موضوعها الحقيقي كلها هو مناهضة الشيوعية، وحتى لو كان عنوانها: «تزوجت شيوعيا» أو «كنت شيوعيا بنظر مكتب التحقيقات الفدرالي». ويبدي المؤلف شيئا من الاستغراب لكون أن الناس ــ المشاهدين- يقبلون أن «الدعاية» كانت موجودة في سينما الماضي القريب بينما هم يكادون لا يقبلون فكرة إمكانية استخدام نفس الآليات، الخدمة نفس المرامي، في المجتمعات الحديثة. ويقوم المؤلف بتأكيد قناعاته، مدعومة بالحجج والبراهين، على أن هناك اليوم في الولايات المتحدة الأميركية، خاصة منذ وصول رينالد ريغان إلى سدّة الرئاسة عام 1980، سينما مأخوذة بمقولات «الأمن القومي». وبالتالي لا تتردد في بث أفكار تذهب باتجاه دعم الحكومات الأميركية «الأكثر صراحة» حيال من يهددون أمن البلاد، بل وسينما «تمجّد» استخدام أقصى القوة حيال «الأعداء الرسميين «للولايات المتحدة في شتى أنحاء العالم.ويشرح المؤلف أنه من «طبيعة» الأعمال السينمائية أنها ليست مرغمة على قول الحقيقة أن اتخاذ مواقف «ملتزمة» إلا إذا أرغمها جمهور المشاهدين على ذلك. ثم إن «استوديوهات» الإنتاج الكبرى الستة في هوليود التي تمسك بيدها الصناعة السينمائية هي خاضعة لمنطق «الاستثمار الكامل في مجالات لها علاقة بالسلطة والمال وبحيث أن الاهتمامات والاعتبارات الإنسانية تبقى ثانوية». ما يهم «ستوديوهات» هوليود هو «إنتاج أفلام يشاهدها عدد كبير من الناس، ودون أي اهتمام حقيقي بالرسالة التي تحملها هذه الأفلام». وينقل المؤلف في هذا السياق عن الكاتبة والمنتجة في مجال السينما، جوليا فيليبس قولها: «هوليود هي مكان يجذب أولئك يعانون من فراغ كبير في أرواحهم». مثل هذه الأجواء تسهّل كثيرا قيام سينما تجعل من «الحكومة والجيش الأميركيين» أبطالا، والترويج بالمقابل لحالة من «العمى الإيديولوجي». وليس صدفة أن يكون «البنتاغون» قد قدّم لفيلم «الصقر الأسود» ثماني طائرات عمودية ــ هيلوكوبتر- و100 جندي. الفيلم يعيد صياغة العملية الفاشلة للتدخل الأميركي في الصومال. وكانت إحدى المطالب المحددة من قبل وزارة الدفاع الأميركية تتمثل في تغيير اسم أحد الجنود الأميركيين إذ كان مدانا في الحياة الحقيقية بخمسة عشر سنة سجن لقيامه بعملية «اغتصاب». ويذكر المؤلف أسماء بعض المستشارين التقنيين العسكريين، من أمثال الماجور «دافيد جورجي» الذي كان يهدد المخرجين بالقول «إذا لم يفعلوا ما أقول، فسوف أجمع ألعابي وأرحل».
في المحصلة العامة، هذا كتاب يبرهن فيه مؤلفه على وجود علاقة عضوية بين تلك المؤسسات التي تصنع الأفلام وبين تلك التي تصنع الأسلحة. وهكذا لا بد من أن يكون التداخل كبيرا بين «هوليود» و«مراكز القرار» الأميركي.
الكتاب: السلطة الحقيقية، السينما الهوليودية والتفوّق الأميركي
تأليف: ماتيو الفورد
الناشر: بلوتو برس نيويورك 2010
الصفحات: 224 صفحة
القطع: المتوسط
Real power, Hollywood cinema and american supremacy Matthew Alford
Pluto Press- New York- 2010
224p.