يبدأ الباحث، الدكتور علي أبو عساف، كتابه، بدراسة الحقب التاريخية المتتابعة في المنطقة، معتمداً على اللقى الأثرية والوثائق الخطية المتوفرة، المحلية والخارجية، ثم يتطرق إلى أصناف الأوابد المعمارية، كالمسارح والمعابد، والبيوت السكنية والحصون والقلاع والكنائس والأديرة والمدافن والأضرحة والبرك والمطوخ وطرق المواصلات والمساجد. وذلك بغية إعطاء فكرة عن هذه الأوابد : ماهيتها، حالتها ومميزاتها. ويعرض أبو عساف وصفاً مكثفاً لأمهات المدن والقرى القديمة، وما نصادفه فيها من تراث معماري هام وجيد . يكرس الكتاب الأول قسماً منه لمتحف السويداء، ووزع الكاتب أبحاثه على مجموعتين : محلية نبطية، ومحلية من العصر الروماني. واختار قطعاً مميزة منها، تمثل أصناف المنحوتات، فوصّف كل قطعة مع ذكر رقمها المتحفي المدوّن إلى جانبها، وفي سياق ذلك يعرض المذابح والمحاريب المعبدية والموزاييك والنقوش.
والكتاب الثاني يحتوي أحدث المعلومات التاريخية الموثقة عن قبيلة « قيدار »، ودورها في حضارة المنطقة الجنوبية لبلاد الشام وثقافتها وعلاقة الأنباط بها، ودور قيدار في مقارعة الآشوريين وآثارهم الباقية في «دبة بريكة» و«مساكب» . ثم يبحث في تاريخ الأنباط وفي تاريخ حوران وعلاقة أهلها بجيرانهم، فقد انتشرت قبيلة «قيدار» وعشائرها العديدة في بلاد الشام، وكان يحكم كل عشيرة شيخ يتبع شيخ القبيلة، وظلت على مدى بضعة قرون تهتم بتربية المواشي وبالتجارة البيئية والخارجية، فقد تحكموا فيها وسيروا قوافلهم في اتجاهات متعددة وأنشؤوا محطات عبر هذه الطرق التجارية، وتحوّل معظمهم إلى الحياة الحضرية واهتموا بالزراعة، ونما شعورهم بالانتماء إلى قبيلة واحدة يمثلها الشيخ الذي أخذ شيئاً فشيئاً يتمتع بسلطة مطلقة على قبيلته.
وجرت تنقيبات جيدة في «بصرى» و«سيع» ألقت أضواء كاشفة على الوجود النبطي في حوران، وأحدث اكتشافات نبطية هي في «دبة بريكة» والتي تمثل محطة تجارية نبطية عظيمة وذات شأن، وتدل على تغلغل الأنباط في حياة حوران، وتشير جميع الدلائل إلى أنّ السلطة في المملكة النبطية، حتى إبان قوتها واتساع نفوذها، لم تكن مركزية بيد الملك، إنمّا يعاونه شيوخ العشائر المنضوون تحت مظلة الملك، ونجد صدى هذه الحالة في الدور الروماني، فقد عثر على نقش سطر فيه جملة «شيوخ عشيرة بيتينو»، وهذا يعني أن الإدارة المحلية كانت بيد شيوخ العشائر.وأقدم كتابة نبطية معروفة حتى الآن هي التي وجدت في «الخالصة»، إيلوسا، وتؤرخ في النصف الأول من القرن الثاني ق.م.، ومن البتراء مركز المملكة النبطية الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، كشف عن عدة كتابات من القرن الأول، وتؤرخ في العام 100 ق. م. تقديراً، وينظر إليها على أنها البداية التي تطوّرت عنها النقوش النبطية في ما بعد . إن معظم النقوش الكتابية النبطية هي جنائزية ونذرية وجدت في شمالي الحجاز والبتراء وحوران وسيناء ومصر، وحتى في إيطاليا .
يجمع الباحثون على أن حوران وأيضاً اللجاة، هي أغنى مناطق بلاد الشام بالكتابة الإغريقية واللاتينية، وكل مدينة وبلدة وقرية ومزرعة وخربة في محافظة السويداء، تختزن نقوشاً كتابية يونانية في مكانها الأصلي أو منقولة إلى مكان جديد، فقد نقشت في أحجار بناء «ساكف» حجر أساس ... الخ. مما سهل نقلها وإعادة استعمالها .
الكتاب: الآثار في جبل حوران
تأليف: د. علي أبو عسّاف
الناشر: ألف، باء الأديب دمشق 2009
الصفحات: 650 صفحة
القطع : الكبير