في عام 1837 خلفت فكتوريا الملك غيوم الرابع على العرش البريطاني. كان عمرها آنذاك 18 سنة، ولكنها بدأت مسيرة في الحكم تركت آثارها الكبيرة في التاريخ البريطاني كله تحت اسم «الحقبة الفكتورية».
كانت فترة غنية على المستوى الفكري والأدبي والسياسي، حيث سادت نقاشات عامة وخلافات في الرأي ونزاعات طبعت بطابعها القرن التاسع عشر «البريطاني» كله. وهذا ما يشكل موضوع كتاب جماعي يسهم فيه نحو عشرين باحثاً تحت إشراف أستاذي الأدب الإنجليزي في جامعة ليفربول دينا بيرش ومارك لويلين.
إن مساهمات هذا الكتاب تتطرق لمختلف المواضيع التي أثيرت في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر وكانت محلّ تباين في وجهات النظر على المستويات السياسية والاجتماعية والعقائدية. ذلك على خلفية مجموعة من التطلعات المتباينة. والأسماء التي يتم استخدامها كـ«مرجعيات» عديدة مثل ماتيو ارنولد ووليام غلادستون وشارل ديكينز وغيرهم.
المسهمون في هذا الكتاب، على تعدد مشاربهم وتنوع المواضيع التي يتطرقون إليها، يحاولون تقديم بعض الإجابات «الراهنة» على مجموعة من «النزاعات والخلافات الثقافية التي عرفتها الساحة الفكرية البريطانية عامة، والأدبية خاصة خلال القرن التاسع عشر»، كما يشير عنوان هذا الكتاب.
وتتفق التحليلات المقدّمة على القول إن نقاشات تلك الحقبة، «القرن التاسع عشر»، مثّلت مظهراً أساسياً للثقافة الأدبية السائدة. لكن من المهم فهم دلالاتها على ضوء الواقع الراهن. هكذا يتم تكريس عدد من المداخلات لما تتم تسميته بـ«قراءات مفصّلة» لأشهر الوجوه الأدبية آنذاك وعلى رأسها «كولنز وديكنز واليوت».
تولي مساهمات أخرى اهتمامها لدراسة «الجذور الفلسفية» للنزاعات الفكرية والأدبية خلال القرن التاسع عشر و«الأحلام والتحليل النفسي» ومفاهيم «الاستهلاك» و«الإمبريالية» و«العرق»، كما تدل عناوين المساهمات المعنية.
أما المساهمات الأخرى من الكتاب فتعنى بدراسة مجموعة من «الحركات والتيارات الأدبية» التي عرفتها الفترة المعنية مثل «الكتابة عن الحرب في أفغانستان»، و«الأدب الروائي النسائي الجديد». تجدر الإشارة أن مختلف المساهمات التي يحتويها هذا العمل تولي بالدراسة «الحقبة الفكتورية» خاصة.
وتتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي تتردد في التحليلات المقدمة بالقول أن «الخلافات» الأدبية عكست خاصة ما يسمّى بـ«فترة شباب» الحقبة الفكتورية أي ما بين 1837، عام تولي الملكة فكتوريا العرش، وعام 1851. وكانت تلك السنوات قد شهدت صعوبات كبيرة على صعيد تثبيت الاستقرار السياسي والاجتماعي، هذا فضلاً عن سلسلة من الأزمات الجدية «الظرفية»، والشروع بالتوازي بمجموعة من الإصلاحات الكبرى. «فترة الشباب» تلك، ورغم ما عرفته من اضطرابات، كانت أيضاً فترة «حياة ذهنية كثيفة»، كانت فترة ازدهار فكري، كما تؤكّد مختلف مساهمات هذا الكتاب.
هذه المظاهر كلها يتم تقديم الأمثلة عليها من النتاج الأدبي لتلك الفترة. وقد بدا ذلك على صعيد الفكر العلمي وبروز «نزعات» جديدة ذات توجّه يدعو لـ«الحداثة» والخروج من القوالب التقليدية. ومن ممثلي هذه النزعات أسماء معروفة مثل شارل غور، وماكس مولر وجون روسكين وجون ستيوارت ميل، وغيرهم.
يضاف هذا إلى الشهرة التي أخذتها جامعات مثل «كمبردج» و«أوكسفورد». ورفدت الحركة الفكريّة «مؤسسات جديدة» للبحث العلمي والفكري، خاصة في لندن. وكان ذلك يمثل في أحد جوانبه نوعاً من الرد على حالة «الجمود الفكري» التي سادت في الفترة السابقة. وكانت فترة «الإشعاع» الأدبي الجديد قد شهدت صعود أسماء كبيرة مثل شارل ديكنز. بالمقابل عرفت الصحافة البريطانية في تلك الفترة، وتحديداً منذ عام 1855 حالة من «الحيوية» الكبيرة، وبرزت عناوين جديدة مثل «التايمز» و«الدايلي تلغراف» وغيرها. بشكل عام يتمّ التأكيد أن كل شيء كان يجري باتجاه «تدعيم مشاعر نهوض فكري كبير».
أما «الرواية الفكتورية» فتلتقي الآراء المقدمة على القول إن أفضل من يمثلها هو أعمال شارل ديكنز. ويعتبر أحد أهمّ المبدعين البريطانيين، بل الأوروبيين، في القرن التاسع عشر. وكان ديكنز قد بدأ الكتابة في الصحافة على هيئة حلقات. وركّز في مواضيعه على مسائل كانت مطروحة بقوّة على زمنه مثل إدانة الفقر والاستغلال الصناعي؛ هذا فضلاً عن رسمه لحياة البشر اليومية في المدن والأرياف.
ويتم التعرّض أيضاً لأعمال العديد من الكتّاب البريطانيين آنذاك في عالمي الرواية والشعر مثل شارلوت برونتي وبنجامان دزراييلي وشارل كنغسلي وكُثر غيرهم.
إن المساهمين في هذا الكتاب يبرزون في تحليلاتهم واقع الاختلاف الكبير في المشهد الأدبي البريطاني خلال القرن التاسع عشر. لكنهم يعتبرون أن ذلك القرن أيضاً كان من بين العصور «الأكثر قوة والأكثر عظمة» التي عرفتها بلادهم في تاريخها الأدبي الحديث.
الكتاب: النزاعات والخلافات الأدبية في القرن التاسع عشر
تأليف: دينا بيرش مارك لويلين
الناشر: بلغراف مكميلان لندن 2010
الصفحات: 264 صفحة
القطع: المتوسط
Conflict and difference in nineteenth century literature
Dinah Birch, Mark Llewellyn and
Palgrave MacMillan- London- 2010
264p.