يشير مؤلف الكتاب، خطيب بدلة، إلى أن مؤلفه هذا سيكون كبيراً جداً، وقد يصل إلى عدة أجزاء.. هذا مع أنه لا يحب الكتب ذات الأجزاء، فالقارئ، إذا حصل على الجزء الثاني من كتاب ما، وهو لم يطلع على الجزء الأول، فسوف يبتعد عنه، معتقداً أنه سيضيع متعة القراءة. ولذلك فهو اختار أن لا يرقِّم الأجزاء، بل يعطيها علامات فارقة لها علاقة بلون الغلاف. ليسمي الجزء الأول، مثلاُ: المستطرف الأزرق.. والثاني المستطرف الأخضر.. وهكذا. ويحتوي الكتاب، على جملة منتقاة بعناية، لعدد كبير من المواقف والنكات الجميلة الظريفة، يدونها الكاتب بأسلوب فريد، وهو يستهلها مع قصة شاعر سماه بـ(قاف)، محبوس في سجن المزة العسكري (سابقا) في دمشق، وذلك سنة ‬1959، بتهمة انتمائه للحزب الشيوعي. وكان على المهجع الذي يقيم فيه، سجان طيب القلب اسمه خليل، يحب السجناء السياسيين، وهم يحبونه، ولكنه كان يتقيد بتعليمات إدارة السجن، ولا يسمح بمخالفتها، من هذه التعليمات أنه لا يجوز أن يذهب السجناء إلى المراحيض إلا ضمن الفترات المحددة. وعلى ما يبدو فإن الجو الرطب في السجن يضطر السجناء للتبول في فترات متقاربة، وكانوا يرجون خليلاً أن يسمح لهم بالتبول عند الضرورة، فلم يستجب، فقال له قاف: إذا كتبتُ لك بيتين من الشعر خلدتُكَ بهما، هل تسمح لنا بالتبوُّل في غير الأوقات المحددة؟ فسر خليل لهذا العرض، وقال وهو يبتسم: موافق. فقال قاف: يا أبا الخـلِّ سـلامـاً من شذى المسك يطخُّ.ثم ينتقل المؤلف إلى قصة أخرى، يحكي فيها عن أحد المناضلين، حيث يقول تحت عنوان «رفيق صادق»: في حملة الاعتقالات للشيوعيين، أيام الوحدة (اللي ما يغلبها غَلاب)، ألقيَ القبضُ على مناضل عنيد، اسمه ـــ فرضاً ـــ (زيد)، وهو رجل قوي الإرادة والشكيمة، رُبِّيَ في مدرسة الحزب تربية صارمة، تعلم فيها أن لا يعترف بكونه شيوعياً، مهما كلف الأمر، ومهما كسَّر السجانون من العصي على قدميه، لأن الاعتراف يعني التخاذل، والتخاذل يؤدي إلى الانهيار، والانهيار يصب في مصلحة الاستعمار والإمبريالية والرجعية وأذناب الاستعمار. وسئل (زيد) أثناء التحقيق عن ما إذا كان شيوعياً، فأنكر، فضُرِبَ على قدميه فأنكر، عُذِّب بأحدث الآلات المتطورة المخترعة في المعسكرين الإمبريالي والاشتراكي، فأنكر.. تعرض لأكثر من عشر جلسات تحقيق وتعذيب، فلم يتوصل المحققون معه إلى نتيجة. وأخيراً قال لهم مدير السجن: يبدو أنه بريء فعلاً. وأمر بإخلاء سبيله. ومن ثم وَقَّع مديرُ السجن على وثيقة إخلاء سبيل زيد، وسلمه عهدته، واعتذر له عن كل عصا، وكل دولاب، وكل لسعة كهرباء تعرض لها أثناء الاعتقال. وفي فقرة مستقلة، وتحت عنوان «مطلوب: معلقون رياضيون». (نشرت هذه المقالة على هيئة إعلان غير مأجور في جريدة النور ‬19 / ‬5 / ‬2002)، يقول المؤلف: قناة رياضية عربية، سيجري افتتاحها عما قريب، تعلن عن حاجتها إلى التعاقد مع معلقين رياضيين سوريين، برواتب مغرية، ومن ضمن الشروط:

‬1 ـــ أن يجيد المعلق التحدث من فمه، وليس من أنفه.

‬2 ــــ حينما يعلق على مباراة بكرة القدم بين فريقين محددين، يجب أن يحفظ اسمي الفريقين، فلا يذكر أثناء التعليق أسماء فرق أخرى لا علاقة لها بالمباراة، أو ينسب الألعاب التي تجري أمامه إلى لاعبين غير موجودين ضمن هاتين التشكيلتين!

‬3 ـــ أن يكون مستعداً لعدم إدخال (الـ) التعريف على أسماء اللاعبين الذين تخلو أسماؤهم منهـا. كأن يقول (ألحربا يرسل ألكرة لألكردغلي) وإنْ أصرَّ على (الألألة) فعليه أن يميز بين همزة القطع والوصل.. هذا إذا كان مصراً على التحدث بالفصحى، وإلا فليتحدث بالعامية، وأمره وأمرنا لله.

‬4 ـــ ألا يذكر للمشاهدين الذين يخاطبهم معلومات يعرفونها أكثر منه، كالقول بأن الحكم هو الميقاتي الوحيد، أو أن الحارس لا يحق له التقاط الكرة إذا أعيدت إليه بقدم زميله المدافع، أو أن كل فريق يسعى لتحقيق على الفوز على الآخر.

الكتاب: المستطرف الأزرق

تأليف: خطيب بدلة

الناشر: دار نون ‬4 للتوزيع والنشر

الصفحات: ‬214 صفحة

القطع: الكبير