يشير مؤلف الكتاب، الناقد جابر عصفور، إلى أن نجيب محفوظ المبدع، ظل هو العقل الباهر الذي يستطيع أن يناوش بالرمز والإشارة كل المحرمات «أو التابوهات» التي تمتد من الذرّ «أصغر حبات التراب»، إلى الذرى «حيث أعالي الوجود وما بعد»، وكان ذلك كله من منظور رؤية أساسية ثابتة تجمع بين العلم والدين.
ولا ترى تضادا بينهما، وذلك من حيث المعجزات التي يمكن أن تتحقق بإمكانات التفاعل الخلاق بينهما وذلك ضمن سعيه الإبداعي المنحاز إلى العدل لا الظلم، الحرية لا التسلط ، الفقراء المحتاجين للرعاية، والمعذبين في الأرض الذين لا يجدون ما ينفقون (...)، ويوازي ذلك كله انحيازه إلى المحكومين من أبناء الشعب «بوصفه وفديا قديما». ويرى المؤلف أن الروايات الثلاث الأولى لمحفوظ:
«رادوبيس 1943»، «عبث الأقدار 1939»، «كفاح طيبة 1944». ظلت المكونات الأولى للمبادئ التي ظلت ثابتة في كل أعمال نجيب اللاحقة، ابتداءً من «القاهرة الجديدة» في الأربعينيات، وانتهاء بــ «أحلام فترة النقاهة» التي كانت آخر ما كتب أو آخر ما أملى.
وكان على رأس هذه المبادئ الحرص على إقامة التوازن بين الأضداد، والجمع المعتدل بينها بما يحيل علاقة التضاد العدائي الذي يقضي فيها النقيض على نقيضه، أو يقصيه عن الوجود، إلى علاقة التفاعل والتصالح التي تجاوز التعصب إلى التسامح والأحادية إلى التعددية، والإجماع إلى التنوع، والديكتاتورية إلى الحرية، والظلم إلى العدل.
ويبين د. عصفور أنه آثر أن يجمع ما كتبه ونشره عن نجيب محفوظ، في كتاب واحدٍ، يكون بداية لاحتفائه الخاص بنجيب محفوظ الرمز والقيمة، ووعدًا بدراسة شاملة معمقة عن رؤيته للعالم.
ويضيف في هذا الخصوص: «لقد سطعت دلالة عبارة لويس عوض التي قالها قبل الجائزة »نوبل في الآداب التي حصل عليها محفوظ عام 1988« بأكثر من ربع قرن، تحديدًا في مارس 1962، عندما وصف نجيب محفوظ بأنه قد أصبح مؤسسة أدبية شعبية شامخة، تستقطب الاتجاهات كلها في الإعجاب بها، ويجيئها السياح أو يؤتى بهم إليها، ليتفقدوها فيما يتفقدون من معالم نهضتها الحديثة».
ويؤكد عصفور أن نجيب محفوظ واحد من الكتَّاب الاستثنائيين الذين يقفون بحضورهم الإبداعي، علامةً حاسمةً في تاريخ الكتابة الإبداعية، شأنه في ذلك شأن عظماء الكتَّاب الذين كتبوا بأقلامهم ما ترك آثاره العميقة غائرةً في الوعي الإنساني على امتداد عصوره وأماكنه، فحضوره الإبداعي حدث استثنائي فريد في تاريخ الكتابة، يشبه الهرم الأكبر في شموخه ودلالاته واتجاه أضلاعه إلى أركان المعمورة كلها، فهو كاتب مصري عربي إنساني، يجمع بكتابته ما يصل الإنسان بالإنسان على امتداد الزمان والمكان.
وعلى اختلاف اللُّغات والديانات والأعراق والقوميات. ولذلك تتزايد مساحة قرَّائه على امتداد العالم، وتتصاعد أعداد ترجماته بكل لغات العالم، لا لأنه حصل على جائزة نوبل وفي الآداب سنة 1988، وإنما لأن كتابته تمتلك القدرة على النفاذ إلى هذا الإنسان موضع المساءلة في كثيرٍ من القضايا التي تتعلق بوجوده الحيوي، وذلك بواسطة سر «متأصل في محليته» قادر أن يغوص ـــ من خلال هذه المحلية - إلى الجذر الإنساني الذي يكمن في قرارة القرار من المحلية، فيكتسب الثراء الإنساني ولا يفارق خصوصيته الثقافية.
ويلفت عصفور إلى أن «كتابة نجيب محفوظ، تجسد إبداعيا، رؤية متقدمة شاملة في إنسانيتها، نافذة في خصوصيتها، عميقة في محليتها، ضاربة بجذورها في ماضيها، واعية بحضورها في تاريخها وبتاريخها، حتى في تطلعها إلى ملامح مستقبلها القادم من وراء المغيب».
ويرى عصفور أن كتابة نجيب محفوظ، هي كتابة «يدفعها وعي تاريخي مرهف، وعي يدرك أن الكتابة تبدأ بالتاريخ وتنتهي به، في شرط حضورها ووجودها وسر تغيرها وحيويتها».