في عام ‬1980 قام المدعو كينيت هارتمان بقتل أحد المتشرّدين في حديقة من حدائق مدينة لوس انجلوس. كان القاتل قد أفرط في تناول المخدرات، وكان حكم السلطات القضائية في ولاية كاليفورنيا على القاتل السجن مدى الحياة دون إمكانية التمتع بأية حرية نسبية في إطار هذا الحكم. هذا السجين الذي أمضى ‬29 عاماً من حياته وراء قضبان السجون أصبح كاتباً بعد الإفراج عنه ومناضلاً من أجل تحسين السجون في ولاية كاليفورنيا. وقصته هي التي يرويها في كتابه الذي يحمل عنوان «الأم كاليفورنيا: قصة توبة وراء القضبان».

في السجن اكتسب كينيت هارتمان شهرة أنه أحد أكثر السجناء عنفاً في ولاية كاليفورنيا كلها. وقد جرّ عليه عنفه داخل السجن غضب المسؤولين عنه، الأمر الذي تمت ترجمته بإيداعه بمدة شهور طويلة زنزانة فردية معزولة، يُطلق عليها تسمية «الوكر».

الوجه الآخر للعنف الذي عاشه كينيت هارتمان في «برودة السجن» و«ضراوة» العيش في ظل الإجراءات الأمنية القصوى المخصصة للمجرمين العتاة من «صنفه»، هو أنه اكتشف في ذلك الجو الخانق، ميله إلى الكتابة. وأمر آخر يؤكده هذا السجين السابق، وهو أن القدر كان كريماً جداً معه. ذلك أنه «صادف» من خلال اتصال هاتفي بخصوص سجين قام به تلك المرأة التي أحبها ثم تزوجها وأنجب منها طفلاً.

إن هذا الكتاب يمثل في أحد وجوهه الأساسية شهادة «استثنائية» فيها الكثير من «الانفعال» ومن «إدراك الذات»، كما يصفها المؤلف نفسه. ولكنها قبل كل شيء شهادة عن «حالة الفوضى» وعن «قسوة المنظومة الأخلاقية» التي تسود في «أسوأ سجون العالم»، حيث يشكل «العقاب الجسدي الصيغة الوحيدة للمراقبة».

كذلك تشكل هذه الشهادة تحقيقاً عن الشرط الإنساني لرجل صدر بحقه حكم بالسجن طيلة الحياة. يضاف إلى هذا الحكم «القسوة غير الإنسانية» السائدة داخل السجون حيث «تحوّل المجرمون إلى ضحايا». ويحدد المؤلف القول إنه وجد نفسه وهو في التاسعة عشرة من عمره سجيناً بعد طفولة صعبة يصفها دون محاولة استثارة الشفقة.

كان أولئك الذين منعت الأحكام الصادرة بحقهم إمكانية استفادتهم من أية «حرية نسبية»، باعتبارهم قتلة، يشكلون «فئة» في السجن لكنها فئة «يسكنها اليأس» في ظل غياب أي أمل. وبالتالي كانت تميل بسهولة إلى ممارسة العنف بحيث جرى تصنيفها أنها «فئة خطيرة». هذا إلى جانب التمييز بينها على أساس الأصل الإثني «لاتينيين أميركيين» و«آسيويين» وغيرهم، أو على أساس اللون، بين أبيض وأسود.

أطلقوا على «كينيت هارتمان» لقب «الحصان» في السجن، ويشير صاحبه أنه لقب لصق به منذ سنوات طفولته. وكانت المتعة الكبيرة التي عاشها في السجن هي حضوره إلى نوع من الحلقة الدراسية التي كان يجري تنظيمها للمساجين. وفيها التقى بـ«جيرينيمو برات» الزعيم الأسطوري لحركة «الفهود السود» الأميركيين. وقد واظب كينيت هارتمان على حضور تلك الحلقة وفي إطارها بدأ الكتابة عن حياته، وهناك تذكّر أيضاً «إنسانيته» واستفاقت في داخله «الدوافع الإنسانية». ولا يتردد في القول إن تعرّفه بـ«المصادفة» إلى المرأة التي تزوجها وهو في السجن ساهم في اكتشافه أنه هو أيضاً «كائن إنساني». وفي إطار تلك الحلقة الدراسية قرأ «كينيت هارتمان» على مسامع «زملائه» بعض ما كان قد كتبه وجاء فيه: «اليوم يصادف ذكرى وفاة إنسان متشرّد اسمه توماس آلن فيلو. وأنا الإنسان الوحيد الذي يعرفه، ذلك أنني الرجل الذي قتله». ويشير إلى أنه قتله في لحظة كان قد تعاطى فيها كمية كبيرة من الكحول والمخدرات.

ويصف كينيت هارتمان الحالة غير الإنسانية التي عرفها أثناء تنقّله بين عدّة سجون ويذكر مثلاً كيف أن مسؤولاً في سجن «فولسوم» كان يستقبل «الوافدين» الجدد بالقول: «إذا حاولتهم الهرب سوف نقتلكم، وإذا وضعتم يدكم على يد أحد الحراس سوف نقتلكم، بالإضافة إلى هذا فإننا سوف لن نولي أية أهمية لما يمكن أن يفعله بعضكم حيال الآخرين».

وعبر الكتابة، وبداية قصته مع «انيتا»، وهذا هو اسم المرأة التي تزوجها، شرع كينيت هارتمان مسيرة «تحوله». وهذا ما يعبّر عنه بالقول: «لقد صممت على إعادة صياغة حياتي، وهذه هي الوسيلة الوحيدة الممكنة للخروج من وزر أنني سرقت حياة إنسان». ويحدد القول بأن الجملة التي قالتها له «انيتا» عند زيارتها له، بعد عدة محادثات هاتفية، أنه «رجل رائع» كانت جرعة حاسمة في دفعه نحو إنجاز «تحوّله». وكان تخلّيه عن تعاطي المخدرات «خطوة أخرى» في نفس الطريق، وبدأ مباشرة «علاجه» من آفة المخدرات كي يشرع في الوقت نفسه في «التهام» الكتب، كما يقول. وتواصل في ذلك السياق مع برنامج «يارد» الخاص بـ«أولئك الذين يريدون منّا بكل بساطة الابتعاد عن الحماقات والجنون». لقد تحوّل إلى إنسان «مرهف الحساسية».

الكتاب: كاليفورنيا الأم قصة توبة وراء القضبان

تأليف: كينيت و. هارتمان

الناشر: اتلاس نيويورك ‬2010

الصفحات: ‬208 صفحات

القطع: المتوسط

Mother California, a story of redemption behind bars

Kenneth E. Hartman

Atalas- New York- 2010

208p.