نورمان ليبرشت، هو من المعلّقين والناقدين الموسيقيين البريطانيين المعاصرين الأكثر شهرة. وبعد أن قدم عشرات الدراسات وما يزيد على عشرة كتب عن الموسيقى يكرّس عمله الأخير للموسيقي الألماني ــ النمساوي الشهير غوستاف ماهلر، تحت عنوان: «لماذا ماهلر»؟ مع عنوان فرعي يقول: «كيف استطاع رجل واحد وعشر سيمفونيات تغيير العالم»؟

ومنذ البداية، يفاجئ المؤلف قارئه بالقول: إن حالة ماهلر ومسيرته الفنية، الموسيقية، هي الأكثر غرابة في هذا العصر. ذلك أنه قبل نصف قرن من الزمن لم تكن موسيقاه تثير اهتمام سوى أقلية قليلة من الأخصائيين، هذا إذا لم تكن مجهولة بصورة كاملة على الصعيد العام. أما اليوم فإن هذا الموسيقي وموسيقاه يحتلاّن مكان الصدارة في عالم الموسيقى.

ماهلر من مواليد بلدة تقع اليوم في الجمهورية التشيكية وكانت عند ولادته، عام ‬1860، تابعة للإمبراطورية النمساوية. عُرف أثناء حياته كرئيس جوقة موسيقية في العاصمة النمساوية فيينا أما اليوم فهو معروف كـ«مؤلف موسيقي» هام تشكّل أعماله «جسرا» بين الموسيقى الكلاسيكية في نهايات القرن التاسع عشر وبين الموسيقى الحديثة. لقد ألّف «ماهلر» عشر سيمفونيات، بقيت الأخيرة منها غير مكتملة تماما. وهذه السيمفونيات بالتحديد هي التي يعتبر المؤلف أنها قد ساهمت في تغيير العالم، كما يدل عنوان الكتاب.

يصادف هذا العام ‬2010، بالذكرى ‬150 لولادة ماهلر، ويصادف العام القادم ‬2011 الذكرى المائة لوفاته. ومؤلف هذا الكتاب يرى به الرجل الذي غيّر العالم «موسيقيا». ويشرح الأسباب التي تجعله يرى فيه مؤلفا موسيقيا كبيرا تتمتع سيمفونياته بقدر كبير من الكمال «الأمر الذي يعترف به خصومه قبل أصدقائه».

ومن النقاط الأساسية في حياة غوستاف ماهلر هو تحوّله من اليهودية إلى الكاثوليكية عام ‬1897 حيث أصبح بعدها في تلك السنة نفسها مديرا فنيا لاوبرا فيينا الشهيرة نال خلالها سمعة كبيرة على أنه يسعى دائما لبلوغ أقصى درجة ممكنة من الكمال في عمله، واهتمامه بالتفاصيل الدقيقة. بل كان يطبق «صرامته» على جمهور الحضور بحيث لا يتركوا أمكنتهم خلال العزف.

تزوج غوستاف ماهلر عام ‬1902 وتوفيت إحدى ابنتيه عام ‬1907 حيث اكتشف بنفس السنة أنه مصاب بمرض في القلب. وفقد عمله بالإضافة إلى ذلك. ويشير المؤلف أن السمفونية السادسة لماهلر تضم في نهايتها «ثلاث ضربات قوية من مطرقة «ترمز إلى المصائب الثلاث التي تعرّض لها: أي موت ابنته ومرضه وفقدان عمله. توفي ماهلر عام ‬1911 وهو في الخمسين من عمره وكانت آخر كلمة نطق بها هي «موزارت».

ويعود «ليبرشت» إلى سلسلة طويلة من الرسائل والتعليقات والشهادات المعاصرة كي يخرج منها كلها بمقولتين أساسيتين. المقولة الأولى هي أن «موسيقى ماهلر ارتقبت مسبقا ملامح التقدّم التاريخية والعلمية والاجتماعية» التي ستحققها الإنسانية. والمقولة الثانية قد اعتنق المسيحية من أجل الحصول على قيادة فرقة اوبرا فيينا، أي المنصب الذي كان ممنوعا آنذاك على اليهود.

ويرى المؤلف أن سمفونيات ماهلر قد دفعت «الدينامية» الموسيقية إلى أقصى حدودها واستبقت عصرها للتبشير في العصر القادم. ويؤكد ليبرشت قناعاته أن الموسيقي الكبير لم يكن مجرد فنان عظيم بل وكان إنسانا يحمل هموم أبناء جيله. ولا يتردد في اعتبار أن سمفونياته تعرّضت لمسائل الحرب والتكنولوجيات الحديثة وتدهور البيئة.

يكتب المؤلف: «في سيمفونيتيه الثالثة والسابعة، أشار إلى الكارثة البيئية القادمة. وفي السادسة حذر من حرب عالمية قريبة»، كان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى بعدة سنوات فقط. ونقرأ أيضا: «في السيمفونية الأولى نجد مسألة وفيات الأطفال في سن مبكرة» و«في الرابعة يطالب بالمساواة العنصرية بين جميع البشر».

بالاعتماد على هذه المقولات كلها يطرح مؤلف هذا الكتاب مسألة «تغيير العالم» كإحدى الرسائل التي حملتها سمفونيات ماهلر. وأنه وجه من خلالها رسائل تعالج مسائل عيانية فيها هموم البشر. هذا مع التأكيد بالوقت نفسه أن «ماهلر» لا يعبّر عن أفكاره كلها بصورة «صريحة» ولكن من خلال «رسائل موسيقية».

المؤلف في سطور

نورمان ليبرشت باحث بريطاني متخصص بالموسيقى وبالمسائل الثقافية، وهو روائي أيضا. عمل لسنوات في «الدايلي تلغراف» ثم رئيس تحرير مساعد في «ايفنينغ ستاندارد». ويشرف حاليا على برنامج إذاعي في الـ«بي. بي.سي». من مؤلفاته: «أسطورة المايسترو: رؤساء الجوقات الموسيقية يبحثون عن السلطة» و«عندما تتوقف الموسيقى» و«حياة الموسيقى الكلاسيكية وموتها.

الكتاب: لماذا ماهلر؟ كيف استطاع

رجل واحد وعشر سيمفونيات

تغيير العالم؟

تأليف: نورمان ليبرشت

الناشر: فابر اند فابر ــ لندن ‬2010

الصفحات: ‬384 صفحة

القطع: المتوسط