يبني مؤلف الكتاب، جورج طرابيشي، أطروحاته في الأبحاث التي يتطرق إليها، على مقدمات ومقولات، كبرى وصغرى، يخرج منها بنتيجة تعتبر أن التحول من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ، الذي اقترن بتحول ذي خطورة تشريعية ولاهوتية هو التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، وما استتبعه، من حكم على العقل العربي الإسلامي، ابتداء من القرن الخامس الهجري، بالانغلاق والانكفاء على نفسه، ومنعه من اكتشاف مفهوم التطور وجدلية التقدم، الأمر الذي أسسه في خانة «ممانعة للحداثة».
يبين الكتاب أن الإسلام، والذي خرج إلى الفتوحات، حاملاً الرسالة القرآنية، ارتدّ بعدها نحو نفسه محملاً بما سيتم تكريسه تحت اسم السنة النبوية. وفي البداية، لم يكن للإسلام من أهل آخرين سوى أهل القرآن، لكن بعد الفتوحات الإسلامية ظهر أهل السنة، وانتزعوا الغلبة تدريجياً لأنفسهم ولمصطلحهم، وخاصة بعد تكريس الهزيمة النهائية للمعتزلة، والقضاء على التفكير العقلاني وعلى عقلانيات المتكلمين، فظهر الإسلام الحديثي، المنتصر على أثر «محنة» أحمد بن حنبل، ووقوف السلطة السياسية منذ أيام الخليفة المتوكل مع العامة من أهل السنّة. وكان لشعوب البلدان المفتوحة دور في تطوير علوم القرآن وشروحه، وفعلوا ذلك - في غالب الأحيان - تحت شعار «السنة هي القاضية على القرآن، وليس القرآن هو القاضي على السنة».
ويشير الكتاب إلي أنه كانت بداية «الانقلاب السني» أو التحول الخطير من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث مع مالك ابن انس، ثم اكتملت أبعاده مع الشافعي، واستأنفه ابن حزم، فيما يكاد أن يكون انقلاباً على الانقلاب في «نشأة ثانية». وكان الشافعي أول من نظر لتحويل الرسول(ص) من مشرَّع له إلى مشرِّع.
أما ابن حزم، فقد تخطى العتبة التي وقف عندها الشافعي في انقلابه ليجيز نسخ القرآن بالحديث، وليعطي التشريع الرسولي عين مكانة الصدارة التي للتشريع الإلهي، لكن الانقلاب الحزمي الظاهري، على خطورته هذه، يلابسه انقلاب «باطني» أكثر خطورة، من خلال تنصيب نفسه في الحقيقة مشرِّعاً، وإن وضع تشريعه على لسان الرسول(ص)، وبالتالي على لسان الله عز وجل، طبقاً للمعادلة الأقنومية الحزمية. وبهذا المعنى لا يكون الرسول(ص) قد تحول من مشرَّع له إلى مشرِّع إلا في الظاهر فحسب، أما في الباطن، فالعكس هو الصحيح. وإن كان الشافعي قد قام، حسب طرابيشي، بالمهمة الإيديولوجية والإبستمولوجية الأولى، وهي تأسيس السنّة، وربما كقرآن بعد القرآن، فإن الإمام ابن حنبل هو بحق المؤسس الثاني للسنّة، وربما كقرآن قبل القرآن، ليكتمل بذلك الانقلاب السني الذي يفترضه طرابيشي في إسلام العصر الوسيط. وهذا يقتضي أو يستجر المقايسة مع الغرب، الذي دخل طور التقدم بعد التحول من مسيحية الكنيسة إلى مسيحية الإنجيل، بواسطة الثورة التي قام بها مارتن لوثر، وبالتالي فإن الإسلام بحاجة إلى لوثري جديد أو ثائر مسلم، من أجل تحقيق الانتقال من إسلام الحديث إلى إسلام القرآن.
وبالرغم من محاولة طرابيشي توظيف مفهوم ابن خلدون عن «النشأة المستأنفة»، من جهة ما يحمله المفهوم من مركبات ومعاني القطيعة والاستمرارية في الوقت نفسه، إلا أنه لم يقدم رؤية جديدة تفسر اعتماد العامل العقلي بوصفه محركاً للتاريخ، مع العلم أن ابن خلدون أورد مفهومه عن النشأة المستأنفة في سياق تبدل أحوال الجماعة البشرية وتحوّل العالم من حولها، حيث يقول: «إذا تبدَّلت الأحوال جملة، فكأنّما تبدل الخلق من أصله وتحوِّل العالم بأسره، وكأنَّه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدَث».
ويبني طرابيشي أطروحاته في ذات المقاربة الثقافية لمحمد عابد الجابري، ومعه أصحاب المشاريع الكبرى، الذين تصدوا لمهمة تفسير أسباب تخلف العرب وتردي أوضاعهم وممانعتهم للحداثة، وقد وجدها محمد عابد الجابري في عرفانية وغنوصية العقل العربي، فيما وجدها محمد أركون في ما لحق بالعقل الإسلامي من إسقاطات وتراكمات، وبالتالي فإن المسؤولية لا يمكن الفكاك منها، كونها متصلة بالعقل والهوية والشخصية والجينات، مع أنه لا يمكن تحميل أي فريق من المسلمين في العصور الوسطى مسؤولية ما يجري في حاضرنا، لأن الظروف والإشكاليات التي واجهتهم مختلفة والمعارك التي خاضوها غير معارك حاضرنا، فضلاً عن اختلافات وفروق أخرى كثيرة.
المؤلف في سطور
المفكر السوري جورج طرابيشي، عمل مديراً في إذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيساً لتحرير مجلة «دراسات عربية»، وأصدر وترجم العديد من المؤلفات. من مؤلفاته: «سارتر والماركسية»، «الماركسية والمسألة القومية»، «النزاع الصيني السوفييتي»، «الاستراتيجية الطبقية للثورة»، «لعبة الحلم والواقع في أدب توفيق الحكيم»، «الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية»، «شرق وغرب، رجولة وأنوثة». «الدولة القطرية والنظرية القومية» «وحدة العقل العربي: نقد نقد العقل (3)»، «إشكاليات العقل العربي: نقد نقد العقل العربي (2)»، «زوربا - نيكوس كازنتزاكي»، «موسوعة علم الجمال: هيغل»، ومؤلفات «سيغموند فرويد».
الكتاب: من إسلام القرآن
إلى إسلام الحديث
تأليف: جورج طرابيشي
الناشر: دار الساقي
بيروت 2010
الصفحات: 643 صفحة
القطع: الكبير