يوضح الشاعر سالم الزمر، في كتابه «طائر الشعر» ماهية ورؤى اختلافه مع الذين يقسمون الشعر إلى قسمين: الأول شعر الحكمة والإرشاد، والثاني شعر العبث واللهو. ويرى أن هذا التقسيم يتجاهل طبيعة النفس الإنسانية، وخصائص الشعر الأدبية. فبعض قصائد الغزل قد تبدو للوهلة الأولى سطحية، ولكنها في العمق تتضمن صوراً بارعة للعفة في أسمى معانيها، قد تفوق قصائد مملة جافة يكثر فيها الوعظ بطريقة منفرة. ولكن هذا لا يعني أن سالم الزمر لا يؤيد تقسيمات أخرى، فهو مع ضرورة الفصل بين الشاعر وقصيدته، وان المرجعية لدى المتلقي فقط النص فحسب، فعامة الناس يظلمون الشعر عندما ينسبون المجون إليه، فالشعر هو المظلوم لأنه في تلك الحالة هو ضحية للهو المارقين من قائلي الشعر، حتى النقاد قد ينجرون وراء الأخبار الشائعة عن الشعراء دون التدقيق في مصادرها ومصداقيتها، فيطلقون على شاعر مجيد لقب (مجنون) دون أن يتساءل احدهم: هل للمجنون القدرة على كتابة الشعر؟! فبعد قراءة ديوان (قيس بن الملوح) نجد شعراً جميلاً لا يخلو من لمحات فيها بعض الحكمة، فالجنون تهمة باطلة لرجل بقى من شعره ما خلده. ولكن الخوض في سير الشعراء واتهامهم بالشذوذ شاع لأسباب كثيرة، فـ(عمر الخيام) حشر في زمرة العابثين اعتماداً على رباعياته الشهيرة، رغم أن هذه الرباعيات مشكوك في صحة نسبها، فلم يتفق الدارسون على عددها، كما أن الكثير من هذه الرباعيات موجود في دواوين غيره من شعراء الفرس، فالرباعيات هذه دونت بعد ثلاثة قرون ونصف القرن على وفاة (الخيام)، الذي لم يعرف في عصره شاعرا، بل عالما في الفلك والرياضيات، وحتى في حال صحة بعض تلك الرباعيات يبقى ثمة شك في صحتها لاعتمادها كدليل على معتقدات ذلك العالم وأخلاقه.

ويؤكد الزمر انه يجب عدم الخلط بين الشعر الجميل وشخصية الشاعر، ففي التاريخ العربي قصائد في غاية الروعة قالها أشخاص خرجوا عن جادة الصواب، وانحرفوا عن الطريق الصحيح، سواء الذين غرقوا في فسقهم، أو انجرفوا خلف شطحاتهم الصوفية، ولكنهم لم يخرجوا من عباءة الشعر العربي، فقد التزموا بأصول كتابته. فالأجدر أن يكون قائل الأدب أديبا، وان يحافظ الأدباء على أصل هذا الوصف، فالأدب أتى من حسن السير والسلوك، والمؤدب هو المربي.

ومن هذه الزاوية يجد الزمر أن للشعر تأثيراً على أكثر من مستوى في المتلقي، فإضافة إلى التأثير في الذائقة الأدبية للناس يؤثر في سلوكهم أيضا، فعندما تشيع القصائد التي تتحدث عن مكارم الأخلاق سوف تتعزز هذه القيم وتصبح مطلباً اجتماعياً، وعندما يكثر ذكر الفحشاء في القصائد تروج لها ولا تعد منكرة لان الناس ألفوها من كثرة ما سمعوها. فالشعراء يملكون القدرة على البناء والهدم وان بطرق غير مباشرة.

ويشدِّد الشاعر في كتابه على أنه ضد الحداثة المستوردة جملة وتفصيلا، ولهذا يرفض أن يأخذ العرب عن الغرب مدارسهم الأدبية ومذاهبهم، لأنها كانت نتيجة لصيرورة الحركة الأدبية الأوروبية في ظروف تاريخية معينة، فأخذها من أهلها مضر بمسيرة وتطور الأدب العربي، لأنه يجب أن ينهل العرب من واقعهم الحياتي ويطوروا أدبهم على هذا الأساس، وأن لا يلجؤوا إلى تقليد الأوروبيين واقتفاء أثرهم والإغراق في ذلك. ثم يشير الزمر إلى الخطر الكبير الذي يحيق بالشعر العربي وهو قطع الصلة مع الموروث الشعري، وقطع الصلة مع الجمهور العربي. ويرى الزمر أن الشعر العربي عندما تخلى عن أوزانه وقوافيه، واتجه نحو الحداثة الأوروبية وتقليدها، فقد حضوره في النفس العربية، فلم يعد يمثل أفراح الناس وأحزانهم، ولم يعد يعبر عن مشاعرهم وأحاسيسهم، حتى ظن الكثيرون أن الشعر لم يعد يمثل الأدب العربي ولم يعد ديوانهم، فشاعت مقولة إن الرواية غدت هي ديوان العرب، وهذا برأي المؤلف كلام عار عن الصحة، وان حجة شعراء الحداثة أنهم يريدون التجديد باطلة، فهم يتشابهون أكثر مما تشابه الشعراء العرب الذين كانوا يكتبون قصائدهم كلها على بحور الشعر الستة عشر، لذلك هم ينقدون ما وقعوا فيه دون علم منهم. فالتجديد ليس في التخلص من الوزن والقافية، وليست التقليدية في المحافظة على الأوزان والقوافي، فالقالب ليس إلا الإناء الذي يأخذ شكل السائل الذي فيه، والشاعرية الحقة لا يحتكرها الشكل، بل تتجلى في ابتكار صورة جديدة، وإثارة الدهشة، وبعث المتعة. وما عدا ذلك فقشور زائلة.

وينتقل الزمر في أبحاثه للتأكيد على أنه للشعر ميزات تفتقرها الرواية والقصة، فالغنائية الموسيقية المتواجدة في الشعر تسهل حفظه وتشيعه على ألسنة الناس بعكس الرواية التي تمتد لصفحات طويلة قد يعتورها الملل والسأم، كما تكثر فيها الصنعة والأحداث التي تشتت ذهن المتلقي، فضلاً عن أن الشعر فن منبري يلتقي فيه المبدع والمتلقي. ويسوق الزمر هذه الأسباب ليؤكد فيما بعد أن الشعر سيعود كما كان، ديوان العرب، في حال عاد الشعراء إلى جادة الصواب.

المؤلف في سطور

سالم الزمر، شاعر وكاتب إماراتي، صدر له مجموعات شعرية بالفصحى والعامية. يكتب المقالات والزوايا الصحافية في مجموعة من الصحف العربية. وهو يقدم برامج تلفزيونية وإذاعية في تلفزيوني وإذاعتي، دبي والشارقة.

الكتاب: طائر الشعر

تأليف: سالم الزمر

الناشر: دار الصدى

دبي ‬2010

الصفحات: ‬142 صفحة

القطع: المتوسط