يبقى الشاعر الروسي الكبير فلاديمير ماياكوفسكي بعد عقود طويلة من وفاته أحد أعلام الأدب العالمي. والكاتب السويدي بينغ جانفيلت، أحد أشهر المختصين العالميين بسيرة حياة هذا الشاعر وأعماله، يقدم كتابا عنه وعن أعماله، لعله الأكثر اكتمالا وإلماما بمختلف نواحي حياته وجوانب إبداعه تحت عنوان «رهان الحياة».
ويأتي «رهان الحياة» من الصورة التي يتم تقديمها لمايكوفسكي كــ«شاعر وثوري» جسّد طليعة على مستوى الفن والأدب، وأحد الفنانين الذين وضعوا أنفسهم في خدمة النظام السوفييتي السابق، ومن هنا نال لقب شاعر الثورة، بمعنى الثورة البلشفية. والسمة الأساسية التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب هي أن ماياكوفسكي يمثّل شخصية «زاخرة بالتناقضات». وكان قد لقي التكريس أثناء حياته باعتباره أحد أهم شعراء القرن العشرين.
إن مؤلف هذه السيرة يركّز في عمله على جانبين أساسيين؛ الجانب الأول هو عبقرية ماياكوفسكي الشعرية. والثاني يخص مغامراته العاطفية، وعلى رأسها تلك العلاقة «المضطربة» التي عاشها مع «ليلي بريك»، أخت اليزا تريوليه» المرأة التي أحبها الشاعر الفرنسي لويس اراغون وكتب لــ«عيونها» أجمل أشعاره. ويؤكد المؤلف أن علاقة ماياكوفسكي بليلي بريك كان لها تأثير حاسم في مسيرة حياته، حيث استمرت طيلة 15 سنة حتى ذلك اليوم من شهر أبريل 1930، حيث توفي «منتحرا». وكانت تلك أيضاً اللحظة التي بدأت فيها موجة التصفيات الستالينية.
ويوم 14 ابريل 1930 أطلق فلاديمير ماياكوفسكي رصاصة على قلبه. كان في السادسة والثلاثين من العمر. ويرى مؤلف هذه السيرة أنه كان يومذاك بعيدا جدا عن الشاب الفتى «المدلل من المستقبل»، كما عبّر ذات يوم بوريس باسترناك، الكاتب الروسي الكبير. وبقي انتحاره بمثابة إشارة استفهام كبيرة. وما إن عُرف الخبر حتى قامت السلطات السوفييتية بالإحاطة الكاملة بكل ما يخص مراسم جنازة ودفن «شاعر الثورة».
وبعد وفاته قام المختصون الروس بتشريح جمجمته، ووجدوا أن دماغه يزن 1700 غرام، أي «أكثر بـ360 غراما من دماغ لينين». وكان من المزعج «إيديولوجيا» أن يتجاوز وزن دماغ شاعر وزن دماغ «أب الثورة». بكل الحالات قبل الجميع أن سبب انتحار ماياكوفسكي «يعود لأسباب شخصية صرفة»، كما جاء في الرواية الرسمية التي نشرتها صحيفة «البرافدا».
لكن المؤلف ينقل عن بوريس باسترناك قولاً يُستفاد منه أن ماياكوفسكي قد جرى قتله، «ذلك أن كرامته لم تستطع قبول شيء ما عانى منه بداخله، أو حدث في محيطه». ويشرح المؤلف أن تناقضا «عميقا» قام لدى الشاعر بين النظام الثوري الذي يدعو إليه وبين حقيقة النظام ذي الطابع الدعائي. وهذا ما يتم تلخيصه بالقول إنه كان من المستحيل الجمع بين «الفنان والبلشفي». وهذا ما لخّصته صديقته مارينا تسيتايفا بالقول: «لقد حاول ماياكوفسكي الإنسان أن يقتل في داخله طيلة 12 سنة ماياكوفسكي الشاعر، وفي السنة الثالثة عشرة تمرّد الشاعر وقتل الرجل».
ويكرس المؤلف صفحات عديدة من الكتاب للحديث عن ماياكوفسكي بصفته ناطقا باسم «التيار المستقبلي» في الفن «شاعر ومستقبلي وشيوعي». ويرى أن كتلة من التناقضات كانت وراء كتابة جملة عندما كان في السابعة عشرة فقط من عمره جاء فيها: «يلحّ علي السؤال أكثر فأكثر: إذا لم يكن من الأفضل أن أطلق رصاصة على نفسي ووضع حد لكل شيء». وهذا ما يعلّق عليه المؤلف بالقول إنه كان يخالف «رغبة» النظام السوفييتي الذي جعل منه مع ذلك «الشاعر الرسمي» لهذا النظام حتى انهياره عام 1991. وكان ذلك أيضاً بمثابة إعلان «الموت الثاني» لماياكوفسكي.
وكان ماياكوفسكي، «فولوديا»، كما كانوا يطلقون عليه في شبابه، قد التحق بالتيار المستقبلي، «بعد مراهقة صاخبة»، وساهم في «نسف» التقاليد الشعرية السائدة، فاتحاً الطريق أمام لغة جديدة «تعبيرية». ويقدم المؤلف في هذا الإطار تحليلا مسهبا ومفصّلا للحياة الفنية والأدبية الروسية بعد انطلاق الثورة البلشفية عام 1917، السمة الأساسية لتلك الحقبة كانت الجمع بين «أشكال الجرأة الفنية وأشكال الانحرافات البلشفية». وليس «الجمع» بينها فقط بل «تداخلها».
ولم تكن نشاطات ماياكوفسكي الفنية تقتصر على الشعر، بل كتب عددا من «السيناريوهات» وأعدّ ملصقات إعلانية لوكالة «روست» الروسية والتحق بــ«الجبهة اليسارية للفن»، وألّف قصيدة مفرطة في الطول بعنوان «الفولغا» كانت سببا لوصف بعضهم له بــ«الشيوعي المارق»، كما كانت سببا في «تخلّي» باسترناك عنه. لكنه بكل الحالات لم يكن ينسى التزوّد بثيابه لدى بيوت الأزياء الشهيرة.
الكلمات الأخيرة التي كتبها فلاديمير ماياكوفسكي بتاريخ 14 ابريل 1930 جاء فيها: «ها أنا أموت. لا توجّهوا الاتهام لأحد. ليلى ــ ليلى بريك ــ أحبيني (...). إن سفينة الحب ارتطمت بصخرة الحياة اليومية».
وكتاب ــ مرجع عن سيرة حياة «شاعر الثورة» الروسية ماياكوفسكي وعن الحياة الأدبية والفنية والسياسية الروسية في بدايات القرن العشرين.
الكتاب: رهان الحياة سيرة حياة ماياكوفسكي
تأليف: بينت جانفيلت
الناشر: البان ميشيل باريس 2010
الصفحات: 590 صفحة
القطع: المتوسط
La vie en jeu
Bengt Jangfeldt
Albin Michel - Paris
590p.