كانت الروائية والكاتبة الفرنسية غابرييلا ويتكوب قد أقامت لفترات طويلة في آسيا، وخاصة في بلدان جنوب القارة، أي تايلاند وماليزيا واندونيسيا وبورنيو. كان ذلك منذ نهاية عقد الستينات الماضي وحتى عام 1989 حيث كانت تعمل كصحافية تحقيقات. إن ذكرياتها عن تلك الفترة هي التي يضمها كتابها الصادر بعد وفاتها تحت عنوان «يوميات آسيوية».
تقول المؤلفة في تقديم كتابها «إن يومياتي الآسيوية ليست شيئا آخر سوى ملاحظات شخصية وانطباعات عشتها إلى جانب حقل لزراعة الأرز أو في حافلة نقل. وهي ذكريات تغطّي صفحات، وصفحات معجونة بالعرق أو ملطّخة بآثار ذبابة كانت امتصّت قدرا من الدماء».
وكانت المؤلفة قد أعادت النظر بشكل كامل وعميق في هذه اليوميات قبل وفاتها. وتبدو مادة هذا الكتاب في موقع وسط بين أدب الرحلات والتحقيق الصحافي وثمرة التجربة الشخصية لصاحبتها. لكنها تبرز في كل الحالات الغنى الكبير الذي تعرفه البلدان الآسيوية المعنية. والمؤلفة تدعو قارئها في كل «حكاية» تقدمها لولوج العوالم الثقافية والملاحم الأسطورية لشعوب تلك البلدان ذات التنوّع الكبير.
وتحاول المؤلفة في هذه اليوميات تقديم تاريخ آسيا، بالمعنى الأشمل للكلمة لقارّة تصفها أنها «متفجّرة» بما تحتوي عليه من «موزاييك» بشري ومن تناقضات. ولكنها تقدّم أيضاً كمّا كبيرا من «التواريخ» و«الحكايات» الصغيرة عن أشياء «غير مألوفة» مثل مصادفة وحوش كاسرة أو شخصيات محليّة تتمتع بمكانة وبسلطة أسطوريتين. ولا تنسى المؤلفة أن ترسم من خلال هذا كله «صورتها الذاتية» كـ«رحّالة» تبحث عن الحرية في كل مكان.
تقول المؤلفة في أحد مقاطع الكتاب ذات الدلالة عن الواقع الآسيوي: «اثنان وعشرون عاما في آسيا تنقلّت خلالها عبر القطارات والعربات المزوّدة بعجلات خشبية ضخمة التي تجرّها الحيوانات وبواسطة الدراجات أو على ظهور الفيلة وربما بعربة رولز رويس فاخرة ــ لم تكن ملكا لي ــ وأحيانا في شاحنة بين الملفوف أو أكياس البصل. وقد قطعت آلاف الكيلومترات بسيارات «الجيب» المكرّسة للطرق الوعرة حيث يقفز الراكب في المكان دون توقف، وفي طائرات قديمة مهددة بالسقوط في كل لحظة أو في حافلة ركاب إلى جانب نعش شخص مجهول وفي قارب بنهر أو سيرا على الأقدام في دروب ضيّقة.
هذه الصورة التي ترسمها المؤلفة للبلدان الآسيوية التي عاشت فيها سنوات طويلة، لها وجهها الآخر. إنه وجه آسيا «التي بدأت بالتغير منذ تلك الفترة». بل وبدأت تتغيّر بسرعة مؤهلة إلى درجة أن المؤلفة تصف ما كانت تراه أنه يقترب من «شهادة تاريخية» تقريبا عن التحوّل العميق الذي عايشته في آسيا.
وتشير في هذا السياق الى أن الأسفار العديدة المتكررة التي كانت تقوم بها «في فترات مختلفة» جعلتها تدرك حقيقة مفادها قولها: «في كل زيارة جديدة، كنت أرى كم تتغيّر الأشياء أو كم كانت رؤيتي نفسها لهذه الأشياء تتغيّر». وتحدد المؤلفة القول انها أدركت مدى «تغيّر الجغرافيا» أثناء الرحلات المتكررة التي قامت بها من شمال تايلاند إلى وسط بورينو.
وتبقى الصفحات، أغلبية صفحات الكتاب، التي تقوم المؤلفة فيها بتوصيف تجربتها الآسيوية هي الأكثر مبعثا لمتعة القارئ. فبالإضافة إلى تعرّفه على «العوالم الآسيوية» ذات الصفات المتفرّدة، في العديد من النواحي، يجد أمامه نصّا توثيقيا فريدا عن أوضاع وحالات اجتماعية وإنسانية كانت سائدة في آسيا، وربما أن الكثير من ملامحها قد اختفت اليوم. والمؤلفة تؤكد أنها لا تفعل سوى أنها تصف بالدقة ما رأته وما عاشته، وأنها كانت دائما مدفوعة مثل جميع الرحّالة امتلكت بــ«رغبة التعرف» و«فضول المعرفة»، حيث تؤكّد قولها: «لقد تناولت الطعام على مائدة الأمراء كما على مائدة سائقي شاحنات النقل أو الجنود».
ولا تنسى المؤلفة أن تقدّم لقارئها نوعا من الاعتذار. لماذا؟. تقول: «سوف يسامحني القارئ لأنني لم أنسف مصرفا في ماكاو ولم أكبح جماح ثور هائج عبر إمساكه من قرنيه ولم أدخل السجن، خاصة أن دخوله أمر ميسور ويمكن أن يحصل بسهولة عندما يكون المرء مفرطا في فضوله».
هذه «اليوميات الآسيوية»، المنشورة بعد وفاة كاتبتها، فيها بالتأكيد ما يجذب هواة أدب الرحلات والفضوليين للتعرّف على ثقافات الشرق الأقصى الآسيوي.
الكتاب: يوميات آسيوية
تأليف: غابرييلا ويتكوب
الناشر: فيرتيكال باريس 2010
الصفحات: 360 صفحة
القطع : المتوسط
Carnets d'Asie
Gabriella Wittkop
Verticales - Paris2010
360p.