يروي أستاذ العلوم السياسية بباريس برونو لاتور أن إحدى طالباته، وهي ألمانية، أخبرته في خريف عام 2009 أنها تعيش حالة من الحيرة والقلق أمام النقاشات التي كانت حيادية آنذاك قبل قمّة كوبنهاغن حول المناخ. وقد أشار لها آنذاك أن هناك فرع من الدراسة يقوم بتعليمه يهتم تحديدا بالروابط ذات الأشكال المتعددة بين العلوم والسياسة والطبيعة.
لقد كان من المستحيل على تلك الطالبة أن تتابع مثل الدراسة لأسباب عديدة فوجد الأستاذ نفسه «ملزما» أخلاقيا أن «يلخّص» لها محتوى الدروس التي يعلّمها بست رسائل. هذه الرسائل الست شكلت موضوع كتابه الصادر قبل أسابيع قليلة تحت عنوان: «نحن نفكّر».
ما يكتشفه القارئ في هذا الكتاب الذي تتوزع مادته في ستة فصول ــ ست رسائل ــ هو أن التطور العلوم والتقنيات واتساع مجال اهتمامها إلى جميع المشارب والميادين جعلها أحد فروع العلوم التي كانوا يطلقون عليها سابقا تسمية «العلوم الإنسانية». ذلك أنه إذا كانت الطبيعة قد دخلت إلى اهتمام الساسة، كما تشير بوضوح قمة كوبنهاغن وغيرها من القمم المكرسة للمناخ وسخونة الأرض خلال السنوات الأخيرة، فإنه من الطبيعي إذن أن تصبح العلوم في عداد العلوم الإنسانية.
ويبيّن برونو لاتور في تحليلاته استحالة التعرّض لمسائل معالجة أزمات البيئة «الأزمات الايكولوجية» دون الفهم المسبق والعميق للسمة الجماعية والملموسة لــ«فعل التفكير» نفسه. ذلك على أساس «جماعية» المشكلة وجماعية «التصدّي» لها. وبهذا المعنى يتحدث المؤلف عن الانتقال من مقولة «أنا أفكر» التي أسس عليها «ديكارت» فلسفته العقلانية إلى مقولة «نحن نفكر» بصيغة الجمع، كما عناها المؤلف في عنوان هذا الكتاب. يقول المؤلف: «كون أننا كُثر ونملك قدرا هاما من الثقافة (...) يمكننا ولوج دروب الحقيقة».
ويطرح المؤلف في هذا السياق العديد من الأسئلة في محاولة توضيح «نظرته» لواقع العالم الذي نعيش فيه. فمثلا، هل انفجرت السفينة الفضائية كولومبيا في الفضاء؟؟ ما رآه الجميع على شاشات التلفزيون هو تلك الشظايا المتطايرة منها. لكن مؤلف هذا الكتاب،يرى أن تلك الشظايا تمثّل الطبيعة الحقيقية لتلك السفينة الفضائية. هذا بمعنى أن الإنسان صنعها من مكونات متنوعة في عدادها قطع معدنية وقناعات وإنجازات علمية وجهد جيل من المهندسين والأخصائيين ومن عمل الوكالة الأميركية الفضائية «نازا».
ومن الأفكار الأساسية التي يقدّمها المؤلف للتقريب، بل للتأكيد على الفعل المشترك، بين العلم والمجتمع، وبين الطبيعة والثقافة، تأكيده أن العلوم لا تتقدم إلا بمقدار قدرتها على «ترجمة» المشاكل العلمية إلى مسائل سياسية واجتماعية.
ويتم التأكيد في هذا السياق أن توصل البشر إلى اختراعات جديدة وإلى أنماط متنوعة من التوليف تتم أضافتها إلى ما كان قد تمّ التوصل إليه سابقا دون أن تلغيه، ذلك على أساس أن مسيرة الإنسانية تعبّر عن «استمرارية» لا انقطاع فيها عبر الزمن. ثم ألم يكن غاليلي غاليليو هو مخترع علم الفلك الحديث؟
إذا كان المؤلف يشرح في الفصول الأربعة الأولى ــ رسائله الأربعة لطالبته الألمانية ــ الواقع الحاضر للعلوم وتداخلاتها مع الثقافة العامة، فإنه يكرّس الفصلين الأخيرين للمستقبل. وهو يفنّد فيهما ما يسميه «سياسة البروج العاجية» التي يدعو لها بعض رجال العلم.
وهكذا حيال مسائل في غاية الأهمية مثل سخونة المناخ و«فيروسات» الأمراض، يقول المؤلف: «إن رجال السياسة يختبؤون كفتيان صغار وراء الخبراء الذين يبحثون عن إخفاء الشقوق في الجدار الكبير الذي مهمته هي الفصل بين العلم والسياسة. لكن كُثر يجتازون هذا الجدار في كل الاتجاهات دون الاهتمام بدعاة الفصل. إن باحثين علمين معارضين ورجال صناعة وناشطين إنسانيين وصحافيين ومستخدمين للانترنت ومجرّد هواه يخرقون جدار الفصل بين العلم والسياسة».
وفي المحصلة يحاول مؤلف هذا الكتاب المولع بالعلوم، أن يقنع قرائه أن هناك ثقافة واسعة في العلوم بمقدار ما يوجد في الفن والسياسة «معا».والكتاب برمّته يشكر دعوة صريحة وملحّة لتبنّي «ثقافة علمية» للجميع.
الكتاب: نحن نفكّر
تأليف: برونو لاتور
الناشر: لاديكوفيرت
باريس 2010
الصفحات: 246 صفحة
القطع: المتوسط
Cogitamus
Bruno Latour
La Découverte
P aris 2010
246p.