جرت العادة أن تتعرض كتب السيرة لحياة هذه الشخصية الشهيرة في ميدان ما من الحياة، خاصة في عوالم السياسة والأدب والفن، لكن الكاتب البريطاني «جيريمي لويس» يكرّس كتابه الأخير لسير حياة أفراد أسرة «كبيرة» مكوّنة من ‬12 طفلاً، أحدهم الروائي البريطاني الشهير غراهام غرين، والبقية إخوته وأبناء عمه، حيث كان الجميع يعيشون في مدينة صغيرة اسمها «بيركماسند».

ويشير المؤلف إلى أنه في بدايات القرن الماضي «العشرين» أقام الأخوان شارل وادوارد غرين في مدينة «بيركماسند» البعيدة جداً عن العاصمة لندن. وهناك أسسا أسرة «غرين» الكبيرة التي اختار كل فرد من أبنائها الأثني عشر مساراً مختلفاً. والمؤلف يكتب بالتفاصيل مسيرة حياتهم «المشتركة» ونمط علاقاتهم. ومن بين هؤلاء أطباء ومكتشفون وجواسيس. ومن بينهم أيضاً أحد أكبر الروائيين الانجليز في القرن العشرين «غراهام غرين».

إن المؤلف يولي أهمية خاصة في هذا الكتاب، بالإضافة إلى الروائي الكبير غراهام غرين، لهوغ غرين، الذي عمل مراسلاً لصحيفة «الدايلي تلغراف» في برلين خلال السنوات التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية والذي غدا في ما بعد المدير العام لإذاعة «بي.بي.سي» البريطانية الشهيرة واحتلّ لسنوات طويلة مكانة بارزة في المشهد الإعلامي الإنجليزي. بل يؤكد المؤلف أنه، أي «هوغ» كان أحد المقرّبين من رئيس الوزراء البريطاني الأسبق «هارولد ويلسون» بعد أن كان قد ساعده كثيراً في الفوز بانتخابات عام ‬1964.ومن الملاحظ أن المؤلف يتوقف طويلاً عند سيرة هذا الأخ الأصغر لغراهام باعتباره كان شاهداً حيّاً أثناء عمله الإعلامي في برلين على العديد من «الحماقات» التي ارتكبها النظام النازي، وخاصّة وزير دعاية هتلر الشهير «غوبلز»، صاحب الشهرة الكبيرة في ميدان التضليل الإعلامي. الأخت «بربارة غرين»، كانت قارئة «متميزة» لأعمال أخيها غراهام، وقد تزوجت بضابط ألماني وأمضت فترة الحرب العالمية الثانية في ألمانيا. ثم نالت شهرة على الصعيد الدبلوماسي بعد أن أصبح زوجها سفيراً في العديد من بلدان العالم. وهنا أيضاً يكرس المؤلف عدّة صفحات للحديث عن ألمانيا وسلوكيات قادتها أثناء الحرب العالمية الثانية. وصفحات أيضاً لــ«رايموند غرين»، الذي اشتهر كأحد متسلقي الجبال المعروفين على الصعيد الأوروبي. أما السيدة «إليزابيث غرين»، الأخت الأخرى للروائي فقد عملت لسنوات عدة في الجهاز السري البريطاني المعروف «أم ــ ‬16» وقد كان لعدد من أفراد الأسرة علاقات «ما» مع هذا الجهاز من خلالها، وكذلك مع بقية الأجهزة السرية الانجليزية. وكان ابن عمهم «بن غرين» أحد النشطاء السياسيين البريطانيين في إطار حركة السلام، حيث أدى به نشاطه إلى إيداعه السجن عام ‬1940، وقد كان بالوقت نفسه عضواً في حزب العمال البريطاني.

أما شقيقه «فيليكس غرين»، فيرى فيه المؤلف أحد الروّاد بين الصحافيين الإذاعيين البريطانيين، حيث لم يكن يوفّر المديح، كلما سنحت له الفرصة، للنظام الشيوعي الصيني. ويعتبر أحد أفراد أسرة «غرين» المتميزين هو «هربرت غرين» الذي يصفه بــ«الخروف الأسود» في العائلة، فقد كان «جاسوساً هاوياً» بعيداً عن الالتزام في أي شيء.ومن خلال مجموعة «سير الحياة» التي يتعرض لها المؤلف لأفراد أسرة «غرين»، يحاول رسم صورة لما يعتبره شريحة من الطبقة الوسطى ارتقت على صعيد السلم الاجتماعي وتشعّبت نشاطاتها وتعاظم دورها خلال القرن العشرين في بريطانيا.

بكل الحالات تبقى شخصية الروائي «غراهام غرين» هي الأكثر بروزاً في هذه السيرة «الجماعية» لأسرته، هو وإخوته الخمسة، وكذلك أسرة عمه، بأبنائها الستة أيضاً. وعلى سؤال: ما هي الكتب الانجليزية من القرن العشرين التي يمكن أن تعيش عدة عقود تالية؟ يجيب المؤلف أنها كتب «غراهام غرين، حيث إنها لا تزال تحافظ حتى الآن على حضور مهم لدى جمهور القرّاء. وهذا ما يظهر بوضوح عبر استطلاعات الرأي بعد نحو عشرين سنة من وفاته عام ‬1991 إثر إصابته بمرض سرطان الدم. وكذلك يذهب في نفس الاتجاه عدد الكتب التي جرى تكريسها لسيرة حياته مما يدلّ على أنه لا يزال «كاتباً معاصراً».

إن مؤلف هذا الكتاب يقدم إجمالاً صورة «إيجابية» لأفراد أسرة غرين، رغم أنّهم لم يكونوا يتمتعون بصفة «اللطف» بل كانوا، وخاصة الرجال منهم، يظهرون كأناس «أنانيين» و«صلفين». والكلمة الأخيرة في الكتاب ينقلها المؤلف عن غراهام غرين الذي «اشتكى من طول حياته». وكانت آخر كلماته: «لماذا كانت طويلة إلى هذا الحد»؟

الكتاب: أطياف أسرة غرين: جيلمن أسرة إنجليزية

تأليف: جيريمي لويس

الناشر: جوناتان كيب لندن ‬2010

الصفحات: ‬320 صفحة

القطع: المتوسط

Shades of Greene: one generation of an english family

Jeremy Lewis

Jonathan Cape- London2010

320p.