يختار مؤلف الكتاب، عبد الحميد محمد، بداية أبحاث كتابه، في التأكيد على أنه اختفت تلك الحضارة لأن العرب أقاموا دولة قويّة في وسط حضاري مختلف العناصر اللغوية والدينية والثقافية والعرقية، وكانوا أقلية بالنسبة للشعب الإسباني الذي كان يعمل لاسترداد بلاده، وقد استنفذوا طاقاتهم بالنزاعات الداخلية بين عرب وبربر، وفي التهالك على الملذات والترف، ما أضعفهم أمام متربص بهم.
ويوضح المؤلف أنه دخل العرب إلى إسبانيا عام 711 م بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد، وكان دخولهم إليها حدثاً سياسياً وحضارياً استهلت به حقبة في الحياة الإسبانية بشتى مظاهرها، فقد حمل العرب إلى الإسبان نظاماً اجتماعياً أفضل ممّا هم عليه، وتركوا لهم حرية العبادة والعمل.
كما حملوا إليهم تراثهم الثقافي ودينهم ولغتهم، فتعدّدت الثقافات في الجزيرة الإيبرية، وخلال قرن من الزمن تمّ التمازج والاختلاط بالمصاهرة وبالعشرة الطيبة بين سكان الأندلس، ثم توالى الولاة حتى قيام الدولة الأموية التي أنشأها الأمير عبدالرحمن الداخل (755 م ـــ 788 م)، فجعل قرطبة عاصمة الدولة وشجع الزراعة وأقام المدارس وأعطى الحرية للمواطنين.
وفي زمن الأمير هشام بن عبدالرحمن فرض الفقه المالكي ممّا أثار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين. ولكن في زمن الأمير عبدالرحمن الثاني تغيّر الحال. وزاد الثراء وعمّ الترف، في زمن الخليفة عبدالرحمن الناصر (912 م ؟ 961 م) أول من تلقب بأمير المؤمنين.
وفي زمن هشام بن الحكم بدأت الدولة تتزعزع، إلى أن ظهر ملوك الطوائف، وعندما رأى الإسبان تفتت الخلافة الأموية إلى دول متصارعة، ابتدأوا في حركة الاسترداد، فهزم ألفونسو السادس، ملك قشتالة (1072 م ــــ 1109 م) ملوك الطوائف، وأخضع في البداية المعتمد بن عبّاد صاحب إشبيلية.
ولكن المعتمد صانعهم ودخل في طاعتهم وزوّج إحدى بناته لألفونسو السادس، الذي استولى على طليطلة من بني النون عام 1085 م، ولكن ألفونسو ترك تقاليد الحكم كما كانت، وقرب العلماء إليه وكوّن مكتبة لترجمة العلوم العربية. وطلب بنو عبّاد نجدة سلاطين مراكش.
واستجاب لهم يوسف بن تاشفين، وانتصر على الفونسو في موقعة «عين الزلاقة» 1086 م، ولكنه بعد مدّة خلع المعتمد بن عبّاد ونفاه إلى مراكش، وهدم كنيسة المستعربين في غرناطة وتمّ إجلاء العرب النصارى إلى مراكش، وأعمل السيف في مستعربي غرناطة، وعجز عن صد ألفونسو السابع ملك قشتالة، فانتزع منه لشبونة عام 1147 م.
وبعد أن قضى الموحدون على المرابطين في الجزائر وتونس وطرابلس، استنجد بهم «موقسي» ضد الإسبان، فهزموا ألفونسو الثامن في موقعة «الأرك» عام 1195 م، ثم انتصروا عليه في موقعة «العقاب».
وقام فريديناند الثالث (1217 م ــــ 1252 م) بتوحيد قشتالة وليون، واستعاد قرطبة من الموحدين وحوّل مسجدها إلى كنيسة، ثم استولى على بلنسية ومرسيّة، وإشبيلية التي اتخذها عاصمة له، وجعل قصرها مسكناً له، ثم استولى على قادش، وفي زمنه انتشرت المدارس، وصنف أول معجم عربي ؟
إسباني، ووضع غليوم الطرابلسي كتاباً عن الإسلام، ثم أهداه في ما بعد إلى البابا غريغوريوس، وانتشرت مدارس الرهبان، وأسس معهد الدراسات الشرقية في طليطلة، وازدهرت الثقافة العربية ـــ الإسبانية.
ويشير المؤلف إلى أنه صمد بنو الأحمر أمام جيوش الإسبان حوالي قرنين ونصف وهاجروا إلى الأقطار العربية والإسلامية. وبعد استرداد المدن الأندلسية ظهرت طبقة المدجنين، وهم المسلمون الذين يعملون في مدنهم القديمة، ولم يهاجروا إلى البلاد المسلمة.
وصاروا يعملون في الصنائع الوضيعة، ويعملون في الحمامات العامة ويقدمون للإسبان المسيحيين الماء الساخن والصابون والمناشف، وتعلم الإسبان منهم مبادئ الطهارة. وكان حمل الرومان إلى شبه الجزيرة الإيبرية اللغة اللاتينية، ومعها الشعر والأدب والفلسفة.
ومن تلك اللغة وامتزاجها بالعربية ولدت اللغة البرتغالية الحديثة «الكاستيلية» التي أصبحت اللغة الرسمية المكرسة للأدب، والتي باتت تدعى بلغة «الرومانس» في العصر العربي الإسلامي.
وكانت بدايات الفكر الفلسفي قد ظهرت إبان خلافة عبدالرحمن الثاني، عندما بدأ الصراع الفكري بين الفقه المالكي والفكر الفلسفي.
الكتاب: الطريق من دمشق إلى قرطبة
تأليف: محمد عبد الحميد الحمد
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامة
السورية للكتاب دمشق 2010
الصفحات: 472 صفحة
القطع: الكبير