كانت سنوات الستينات من القرن الماضي قد عرفت «موجة من الاضطرابات على الصعيد العالمي وخاصة عام ‬1968 الذي شهد أحداث عنف حقيقية في العديد من بلدان العالم. وبعد ذلك العقد «المضطرب» ساد التطلّع لدى المناطق المعنية بالاضطرابات، خاصة الولايات المتحدة، بعقد جديد يعمّ فيه الهدوء على مختلف المستويات.

والكاتب الأميركي وأستاذ الأدب والدراسات السينمائية جيمس موريسون يقدّم كتابا عن عقد السبعينات في مجال السينما الهوليودية تحت عنوان «هوليود تولد من جديد»، ويكرّسه لــ«نجوم وعالم السينما الهوليودي في عقد السبعينات»، كما جاء في عنوانه الفرعي، وما يمثّل الموضوع الفعلي للكتاب.

ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب منذ البداية هو أن عقد السبعينات، وبدلا من أن يشهد حالة من الهدوء كما كان مرجوّا، إنما عرف أجواء مثقلة بالمشاكل التي ترتبت خاصة على تلك الهزيمة الكبيرة التي لحقت بالجيش الأميركي في فيتنام. وكانت فضيحة «ووترغيت» الشهيرة التي كانت وراء «الإطاحة» بالرئيس الأميركي ريشارد نيكسون عاملا إضافيا أساسيا في استمرار، بل وزيادة، الاضطرابات الاجتماعية التي عرفتها البلاد. مثل تلك الأجواء «المضطربة داخليا» والتي أدت إلى اهتزاز صورة أميركا على صعيد الخارج، هي «الخلفية» التي حكمت نشاط مختلف القطاعات بلا استثناء في عقد السبعينات.

ومن الظواهر التي يؤكد عليها المؤلف في سياق سنوات السبعينات في هوليود هو أن الكثير من الممثلين والعاملين في حقل السينما اهتموا بالعمل السياسي «تمشيا مع ذهنية الحقبة». بالتوازي مع هذا الواقع الجديد تعرّضت السينما الهوليودية لمواضيع «أكثر جدية» مثل الحرب الفيتنامية والاغتيالات السياسية والأزمات الاقتصادية والصدمات البترولية. كذلك وجدت فضيحة «ووترغيت» أصداءها في أعمال هوليود السينمائية.

ويرى المؤلف أن الأفلام السينمائية الأميركية في سنوات السبعينات عكست بدرجة عالية الأجواء الاجتماعية والسياسية والاستياء العام المخيم. هكذا برزت أفلام عالجت ما شاعت تسميته آنذاك بــ«نهاية الأوهام» و«أجواء الحذر» و«الأكاذيب» و«ذهنية التآمر».

هذه المواضيع وجدت أصداءها في أفلام مثل «كلوت» عام ‬1971 لمخرجه الآن ماكولا حيث يقوم الضابط السري «كلوت» بمراقبة الفتاة «بري» ضمن إطار التحقيق بعملية اختفاء أحد العلماء. لكن ما يكتشفه «كلوت» هو أن الفتاة لم تساهم في عملية اختفاء العالم، بل كانت هي نفسها تواجه التهديد على حياتها في إطار مؤامرة أكبر. وروى فيلم سيربيكو، عام ‬1973، القصة الحقيقية لرجل الشرطة النيويوركي «فرانك سيربيكو» الذي قوبل بعداء كبير من القائمين على الشرطة ذلك أنه أفشى الأسرار الخاصة بحالة الفساد العامة المستشرية في الجهاز. وفي عام ‬1974 قام المخرج الشهير فرنسيس كوبولا بعرض فيلمه «محادثة سرية» الذي كان قد نال عليه في تلك السنة جائزة السعفة الذهبية بمهرجان كان السينمائي للمرة الأولى. ويحكي هذا الفيلم قصة أخصائي بعمليات «التجسس الهاتفي» ويعتقد ذات مرة أنه قد اكتشف مشروع عملية اغتيال ولكن يجد أنه قد «وقع في الفخ» نفسه.

أما فيلم «رجال الرئيس»، عام ‬1976، فإنه يعالج «صمواجهة» فضيحة ووترغيت. إن المخرج «الان باكولا»، المختص بهذا الصنف من الأفلام، يحاول «إعادة تركيب» الفضيحة منذ بداياتها عندما شرع الصحافيان بوب وودوورد وكارل برنشتاين بتحقيقهما مع إبراز «تقنيات الاستقصاء» التي استخدماها. إن فيلم «رجال الرئيس» لا يتعرض أبدا بصراحة إلى تورّط الرئيس نيكسون في فضيحة ووترغيت. لكن المشاهد «يدرك ذلك»، كما كان الصحافيان قد «أدركاه».

ومن الأفلام التي يتعرّض لها المؤلف بإسهاب في كتابه فيلم «سائق التاكسي ــ تكسي درايفر» لمخرجه مارتن سكورسيز، ‬1976، حيث يجد «ترافيس بيكل» العائد من فيتنام صعوبة كبيرة في التأقلم من جديد من الحياة الاجتماعية الأميركية فيعمل «سائقا لسيارة أجرة». إنها مهنة يتعرّف من خلالها على «أجواء الليل» في مدينة نيويورك، ويضع أحد أهدافه في دفه إحدى فتيات ذلك الليل من مهنة الدعارة. وفيلم يبحث فيه مخرجه عامة عن رغبة «العيش بسلام» في أجواء يسودها العنف.

الفكرة الأساسية التي يخرج فيها المؤلف من خلال استعراضه لأهم أفلام هوليود في سنوات السبعينات مفادها أن هوليود عكست في أفلامها أجواء أميركا المضطربة آنذاك، ولكن كي «تولد من جديد».