احتفلت المجتمعات الإنسانية لحقب طويلة من تاريخها بالصيّاد الذي كان يصارع الوحوش الضارية ويجلب الطرائد لتأمين القوت. ومن المعروف أن الإنسانية قد مرت بطور كامل حمل اسم «القطف والصيد». والباحثة الفرنسية اندريه كورفول، التي جعلت من دراسة العلاقة بين الطبيعة والمجتمعات مركز اهتمامها الرئيسي، تقدّم كتابا عن «تاريخ الصيد»، كما يقول عنوانه.وتبدأ المؤلفة «تاريخ الصيد» هذا بالحديث عن المسافة الطويلة التي جرى قطعها من حقبة «حماية الصياد» من الحيوانات المتوحشة إلى الحقبة الحالية التي تتردد فيها فكرة ضرورة «حماية الحيوانات المتوحشة» من الصيادين. وتتم الإشارة أن مثل هذا التغيّر تطلّب قرونا كاملة. بهذا المعنى ترى المؤلفة أن «تاريخ الصيد» يتواكب تماما مع تاريخ في العالم الذي نعيش فيه. «إن العالم قد تغيّر، والغابة التي تمثل المجال التقليدي للصيد تشهد على ذلك».
وتشرح المؤلفة أن كتابة تاريخ الصيد في الغرب تستدعي بالضرورة دراسة مجتمعاته من حيث بناها الإنسانية والسياسية والاجتماعية. فمن يصطاد؟ وكيف يصطاد؟ وأين يصطاد؟.هذه هي الأسئلة التي تحاول مؤلفة هذا الكتاب الإجابة عليها. وهي تعود من أجل ذلك، إلى البحث في المبادئ التربوية التي تلقاها أبناء الطبقات العليا «التي كانت تمارس الصيد» في المجتمعات القديمة والذين كانوا يتعلّمون «في سن مبكّرة» أصول الصيد وقتل الحيوانات. كما تتعرّض المؤلفة إلى نوع من تصنيف الحيوانات بين «نبيلة» مثل الغزلان، و»غير نبيلة» كالذئب.
ويحتوي «تاريخ الصيد» هذا على توصيف مسهب ودقيق لما تجمعه المؤلفة تحت عنوان «تقنيات الصيد» المتنوعة والتي تعتبر أن من بين أكثرها شهرة الصيد بواسطة الصقور حيث أنه يحظى منذ فترات مغرقة في القدم على مظاهر «احتفالية». بكل الحالات تشرح المؤلفة أن القوانين التي تنظم عملية صيد الحيوانات قد عكست «التراتب الاجتماعي الهرمي» منذ القديم وحتى الحرب العالمية الأولى. ثم إن القوانين الخاصة بتنظيم الصيد في الغرب عامة والعقوبات المترتبة على خرق هذه القوانين، محددة بصورة صارمة. لكن هذه القوانين عكست في مسيرة تطورها تصنيف الحيوانات حسب صائدوها. هكذا نرى أن طبقة النبلاء لم تكن تصطاد قبل عدة قرون نفس الحيوانات التي يصطادها الفلاحون. وكانت هناك أماكن «مجالات» صيد مكرّسة بالتحديد للسادة أولا وبعد ذلك يأتي دور البورجوازيين. هذا وكانت الثورة الفرنسية قد شرعت بإحداث تغييرات «ثورية» في ميدان الصيد لكنها لم تصمد سوى عدة أشهر قليلة.
ومن الأفكار الرئيسية التي تتردد في هذا الكتاب عن «تاريخ الصيد» القول أن الصيادين تمتعوا باستمرار بثقافة واسعة، إذ كانوا يعرفون دائما الطبيعة التي تحيط بهم وأصناف الحيوانات. كما كانوا يعرفون أنه لا يمكن الصيد «دون سبب موجب»، وكذلك «لايمكن الصيد في كل الفصول». بهذا المعنى اتفقت الشعوب عامة أن الحيوانات التي تشكل مصدرا للغذاء تكتسي عامة قدرا كبيرا من المكانة التي تمنع التعرّض لها من قبل الصيادين. كما أن بعض المجتمعات المتقدمة، التي تعتبر المؤلفة فرنسا في عدادها، اكتسبت مع تعاظم التوسع العمراني والتحضّر الإنساني علاقات جديدة بين البشر والصيد الذي يرى به البعض اليوم «ممارسة بربرية». وترى المؤلفة أن العقود الأخيرة عرفت تطوّرا في مفهوم الصيد بالمناطق الريفية. بل وأصبح الصيد أحد الرهانات التي قد يستخدمها رجال السياسة لغايات انتخابية.وبعد أن تشير المؤلفة بمقدمة عامة عن أصول الصيد في المجتمعات الإنسانية، تتعرّض لتاريخ الصيد حسب حقب ثلاث تغطي الفترة التي تدرسها بالتفصيل. تخص الحقبة الأولى «القسم الأول» القرنين السادس عشر والسابع عشر. وتخص الفترة الثانية (القسم الثاني) القرنين السابع عشر والثامن عشر. ثم تكرس المؤلفة القسم الثالث من هذا العمل لفترة القرنين التاسع عشر والعشرين.وكان ملوك فرنسا منذ قرون من كبار الصيادين حيث كان من بين حاشيتهم مجموعة من الصيادين. وكان من أكبر علامات التكريم قبول المرء في فريق الصيد الملكي الذي كان يتمتع أيضا بمناطق صيد مكرّسة له حصرا. وتشير المؤلفة أن الملك الفرنسي لويس الثالث عشر كان يمارس الصيد يوميا، بل ويمارس أحيانا عدة أنواع من الصيد في يوم واحد. كذلك كان كل إقطاعي «محلي» يمارس حق الصيد في إقطاعيته. ولم تكن قليلة آنذاك ممارسة صيد الطيور والحيوانات المؤذية للزراعات. ومنذ بدايات القرن السابع عشر جرى فرض عقوبات كبيرة على خرق قوانين الصيد المرعية بحيث تدرّجت تلك العقوبات من فرض الغرامات المالية والجلد والطرد. وعند الخرق للمرّة الثانية تطورت العقوبة إلى مصادرة الأملاك. ثم وصلت العقوبة إلى حد الموت في تكرار الخرق للمرة الثالثة. وكان قانون صدر عام 1669 قد ألغى عقوبة الموت هذه.
الكتاب: تاريخ الصيد، من
القرن السادس
عشر حتى القرن
العشرين
تأليف: اندريه كورفول
الناشر: بيران
باريس 2010
الصفحات: 580 صفحة
القطع: المتوسط
Histoire de la chasse
Andrée Corvol
Perrin - Paris 2010
580p.