شكّلت الثورة الرقمية وما ترتب عليها في مختلف المجالات ثورة حقيقية. والأستاذ الجامعي هنري ميلنر يقدّم كتابا تحت عنوان «جيل الانترنت» يعالج فيه تأثير ثورة المعلوماتية على سلوكية الشباب في المجتمعات الغربية عامة، وخاصة من زاوية «ممارسة الديمقراطية» لدى هذا الجيل.
الظاهرة الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف هي أنه رغم الارتفاع المشهود في وسائل التعليم بفضل منجزات ثورة المعلوماتية ورغم النداءات المتكررة من قبل السلطات في البلدان الغربية خلال السنوات الأخيرة المنصرمة لزيادة المساهمة في العمليات الانتخابية المختلفة، فإن النتائج المحققة جاءت عكسية، بمعنى أن نسبة المشاركين في مختلف عمليات الاقتراع تدنّت بشكل ملحوظ في العديد من البلدان الأوروبية. ويحدد المؤلف القول أن على رأس قائمة هذه البلدان الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والبلدان الاسكندنافية.
وبالتوازي مع تضاؤل نسبة المشاركين من «جيل الانترنت» في العمليات الانتخابية، هناك انحسار واضح في اهتمام الشباب المعنيين بالحياة السياسية عامة. ويتم تحديد القول في هذا السياق أن جيل الشباب اليوم عرف ولادته عمليا مع ازدهار شبكة الانترنت وترعرع معها أيضا. وتدل الإحصائيات أن حوالي 90 بالمائة من السباب في سن الثامنة عشرة بالعالم الغربي اليوم، وفي مختلف البلدان المتقدمة في العالم. يستخدمون شبكات الانترنت باستمرار وتصل هذه النسبة إلى حوالي 100 بالمائة بالنسبة لمن يستخدمونها من وقت إلى آخر.
أما «المتحاورون» عبر هذه الشبكة فإنهم يشكلون مجموعات من الأصدقاء الذين «يناقشون» غالبا مواضيع «شخصية» بعيدة إلى حد كبير عن الاهتمامات العامة. وإذا كانت مثل هذه الممارسات قد بدأت منذ مطلع عقد التسعينات الماضي فإنها أصبحت ظاهرة «معممة» لدى أجيال الشباب من مختلف الأعمار.
لقد أصبح «التواصل الفوري والمباشر» يمثل «موضة» التواصل المفضل لدى المراهقين بحيث أنه يدخل في منافسة حقيقية مع وسيلة «التواصل» الأخرى المتمثلة بالهواتف المحمولة. تدل الأرقام أن نسبة 43 بالمائة من الشباب المعنيين يميلون للتواصل عبر شبكة الانترنت مقابل 45 بالمائة لا يزالون يفضلون الهواتف، كما دل استطلاع للرأي جرى في كندا خلال العام الماضي.
إن التواصل عبر شبكة الانترنت أصبح أيضا هو أحد سبل «الخروج من العزلة» بالنسبة لجيل الشباب. ذلك على أساس أنهم يوسعون بهذه الوسيلة دائرة معارفهم. هذا وصولا إلى حد قول البعض أنهم يتمتعون بحياة اجتماعية أكثر تطورا مما كان عليه الأمر قبل «عصر الانترنت». ثم إن «لغة» الانترنت تختصر المسافات وتتجاوز «عقبة» القرب الجغرافي.
ومن المسائل التي يتعرّض لها المؤلف بالتحليل تلك الخاصة بالنتائج التي ستترتب على «ثقافة المعلوماتية» التي يكتسبها شباب جيل الانترنت بالنسبة لسوق العمل. ذلك أنهم سوف يكونون «أداة» فاعلة حقيقية من أجل إدخال أنماط التواصل والتنظيم الجديدة إلى المؤسسات والشركات.
بالمقابل في الوقت الذي يستعد فيه «جيل الانترنت» لما يشبه نوعا من غزو العالم «من أجل تغييره»، تسود حالة من «الخلط» مع تصاعد موجة من النقد الذي يحاول فيه أصحابه تحميل هذه التكنولوجيات الجديدة وزر جميع أشكال «الشرور» السائدة.
تتم الإشارة هنا إلى أنه من السهل دائما توجيه الاتهامات لأية ثقافة «صاعدة» والحكم عليها من خلال «مبالغاتها» وللأشكال السيئة التي تتبدّى فيها. هكذا كانت قوبلت قبل فترة غير بعيدة ظواهر عرفها الغرب مثل الجاز والروك اندرول وحتى السينما. فهذه الظواهر كلها لاقت الاستهجان بل و»الازدراء» من قبل ثقافة تقليدية وجدت فيها مصدر تهديد لها. وكما أن الشباب الذين شدّتهم تلك المظاهر ابتعدوا واقعيا عن الاهتمام بالقضايا العامة وفي مقدمتها السياسة انصرف «جيل الانترنت» عنها أيضا وبما يمثّل في الواقع «اقترابا» من العصر الذي يعيش فيه أبناؤه.
ورغم المخاوف الكبيرة التي يبيدها الأهل «وربما أنهم على حق في ذلك حيال «لقاء» أبنائهم عبر شبكات الانترنت مع أناس غرباء، فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد على ضرورة «تحطيم» الجدار القائم بين «الحياة الحقيقية» و»الحياة الافتراضية» التي يعيشها جيل الشباب عبر شبكات الانترنت وتبعدهم عن قضايا مجتمعاتهم.
ويؤكد المؤلف أن التربية عموما و»التربية المدنية» خاصة هي «المفتاح» من أجل دفع الشباب إلى الاهتمام بالقضايا العامة. ويرى أن هناك سبلا عديدة لعرض المواقف والمسائل السياسية على الطلبة في قاعات الدرس. هذا مع التأكيد على الدور الجوهري الذي تلعبه وسائل الإعلام في ذلك، «القديمة منها والحديثة».
الكتاب: جيل الانترنت
تأليف: هنري ميلنر
الناشر: جامعة نيو انكلاند 2010
الصفحات: 304 صفحات
القطع: المتوسط
Generation internet
Henry Milner
University Press of New England - 2010
304p.