تبدأ الرسائل/الرواية، للكاتب حسن حميد، بعنوان في أعلى الصفحة «القدس»، يخبرنا فيه: «قرأت عن القدس الكثير، خلال أشهر، لم أترك حادثاً أو موقفاً أو علماً أو مكاناً إلا جلست فيه، ولم أدع كتاباً من كتب الرحلات المقدسية القديمة والحديثة، إلا وأتيت عليه». ويتحدث الكاتب عن جمال مدينة القدس، فيصفها: «فالبيوت هنا أشبه بالدمى عناقاً وتعربشاً وتأخياً وهمساً وجمالاً، وهي دانية مثل العناقيد وطرية مثل الثمار، وذات رائحة تشبه رائحة الحناء والزعفران، وعتبات البيوت متشابهة مثل أولاد أسرة واحدة، والشبابيك تشبه المرايا الصقلية...». ثم يصف أحياءها، فيمرّ على «نبع سلوان» و«المغارة» و«الرامة» و«وقلندية» و«حي الأرمن» و«درب الآلام» و«كنيسة القيامة»، ثم يزور «بيت لحم» و«أريحا» و«الخليل» و«قرية حلحول».
ونجد في الرواية عناوين أخرى تتعلق بأشخاص، مثل: ليلى وسيلفا وأم أهارون، وأبو العبد وسعدية وعارف الياسين، وفيها حكايات توصيف لهؤلاء الأشخاص مع بعضهم أو مع كاتب الرسائل، يقدمها الراوي على أنها نسيج حكائي لوحده. ومنذ بداية الأحداث، وفي كل فصل من الرواية يذكرنا الكاتب بالبغالة، جيش الظلام، الذي يقبع منتظراً المدنيين، وهؤلاء لا حول لهم ولا قوةّ، فمئات الناس يقفون بعيداً عن المعبر، وقد صرّوا ثيابهم وحاجياتهم في أكياس بلاستيكية، وصناديق كرتونية ووقفوا إلى جوار البغالة، بانتظار إشارة من أحدهم كي يتقدموا واحداً واحداً، لكن البغالة يقفون غير مبالين بهم. وفي المقابل نجد مقاومين عتاة، من أمثال عارف الياسين، من جماعة محبي الاتحاد السوفييتي والذي تصدى مع ثلاثة من رفقائه لدورية للبغالة قتلت طفلاً عمره تسع سنوات، فقُتِل اثنان فوراً، واثنان جرحا، أخذا إلى المستشفى، ثم إلى السجن، وهناك امضيا ثلاثين سنة. وهناك أيضاً حكاية سيلفا التي كان يحبها فلاديمير، كاتب الرسائل
وتسرد الرواية قصص وحكايات عن الفلسطيني وعذابه وألمه وهو في وطنه، والقصة تجرّ القصة والحكاية تجرّ الحكاية، ولكن الفلسطيني القابع في المخيمات والذي ذاق ألوان التشرد، يعرف كيف يدافع عن أرضه، واليهودي الذي جاء مع المال والقوة يعرف أن هذه الأرض ليست له، وأن المال والقوة سيتلاشيان وإن طال الزمن، وستظل القدس مدينة الله، ليست لدين بعينه، وليست لبشر بعينهم، إنها مدينة ممدودة على كف الله، وهذه الجبال وهذه الأودية ليست سوى خطوط هذه اليد المباركة.
وتبين مفردات حكي الرواية أن فلاديمير أحبّ فلسطين والشعب الفلسطيني من زوجته رشيدة الفلسطينية التي كانت آتية إلى بطرسبورغ في منحة دراسية من قبل حزب الشعب الفلسطيني، فمعها قرأ التاريخ والجغرافية الفلسطينية، ومعها وعى الألم والظلم اللذين وقعا على الشعب الفلسطيني، وماتت هذه الأنثى بحادث سير وسجن فلاديمير من أجلها وعذّب، لكنه ظل يكتب رسائله والتي يقول في نهايتها: «فأنا لم أزر البحر الميت، لم أتعمد بماء النهر المقدس، لم أر طبريا، ولم أذهب إلى عكا... كي أرى بيت رشيدة مراد/زوجتي، في حيّ المنارة، ولم أزر بيت الشرق، كما لم أعد إلى الحي الأرمني، يا للأماني، يا صديقي.. وأنت وحيد وحيد وأين؟ في السجن...». وفي النهاية، ومن خلال رسالة السجن السادسة، يتمنى فلاديمير أن يكون طائراً، كي يمرّ على مقهى «أبو العبد»، وسينتظر كي يرى عارف الياسين، ليقول له إنه في المكان الذي عرفه طويلاً، ثم وبعد رجاء طويل يرجو من السيد إيفان أن لا يكتب إليه، لأن عناوين السجن ليست بعناوين.
الكتاب: مدينة الله «رواية»
تأليف: حسن حميد
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2009
الصفحات: 452 صفحة
القطع: المتوسط