أمضى المؤرخ الأميركي ستيفن ل. دايزون شطرا كبيرا من حياته وهو يدرس تاريخ مدينة روما «المدينة الخالدة» ويعلّم هذا التاريخ في العديد من الجامعات ويكتب عنه. وكتابه الأخير عنها يحمل عنوان: «روما، صورة حية لمدينة قديمة».
إن مؤلف هذا الكتاب لا يقصر تحليلاته على التطوّر العمراني الذي شهدته عاصمة الإمبراطورية الرومانية وعاصمة إيطاليا اليوم وما عرفته مبانيها ومعالمها الحضارية. ولكنه يحاول أيضا الغوص في تاريخ المدينة الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وذلك عبر اللجوء إلى محاولة شرح الدينامية التي كانت وراء ازدهارها قديما واستمرّت حديثا بحيث أنها غدت مركز إشعاع، ليس على صعيد القارة الأوروبية فحسب، ولكن على صعيد العالم كله.
وفي محاولة لـ«اقتفاء أثر مسار المدينة» يقوم ستيفن دايزون بنوع من العودة إلى الماضي «فلاش باك» كي يقوم بتوصيف شوارع روما القديمة بكل ما كانت تشهده من نشاطات لرجال السياسة والطلبة والعمال والباعة، ووصف المسار الذي جعل هذه المدينة القديمة مرتعا لأجيال متعاقبة من الدارسين والسائحين.
الحقبة التاريخية التي يدرسها المؤلف بالنسبة لمدينة روما تمتد من القرن الثالث قبل الميلاد حتى الوقت الحاضر. ويبيّن كيف أن المدينة القديمة التي كانت «مهد الحضارة الغربية»، بعد المركز الآخر لهذه الحضارة، أي «اثينا»، أصبحت العاصمة الكبرى للإمبراطورية الرومانية التي سيطرت على أوروبا خلال فترة تزيد عن خمسة قرون، منذ القرن الأول بعد الميلاد. وهي المدينة التي تضم «الفاتيكان»، مقر البابوية والذي يتمتع بمكانة «دولة» مستقلة.
أصبحت روما عاصمة للإمبراطورية الإيطالية اعتبارا من عام 1871، وهي أكثر مدنها اكتظاظا بالسكان، إلى جانب كل من ميلانو ونابولي. لقد كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانية سابقا والإمبراطورية الإيطالية لاحقا، وهي اليوم أحد أشهر المدن الأوروبية من حيث عدد السائحين الذين يؤمّونها. هذه هي بعض النقاط التي يرى فيها مؤلف الكتاب دليلا على استمرارية أهمية المدينة عبر مسارها التاريخي الطويل قياسا بالمدن الأوروبية الأخرى.
كانت المدينة القديمة قد أحيطت بمجموعة من الجدران التي من أهمها الجدار الذي بناه الإمبراطور «اورليان» وسمي باسمه. لكن المركز التاريخي للمدينة لا يحتل اليوم سوى مساحة ضئيلة جدا مما تشكله العاصمة الإيطالية اليوم، مع ذلك يمثل هذا المركز أحد أكبر المعالم التاريخية الموجودة في العالم حتى اللحظة الراهنة. وإذا كان قد ضمّ المئات من الكنائس والقصور قديما فإنه يحتوي اليوم على آلاف المحلاّت التجارية والكاتب والمطاعم التي تجاور المواقع الأثرية والمعالم التاريخية القديمة.
أما عن «تاريخية» روما فتقول الروايات «الأسطورية» التي يسوقها المؤلف أنها تأسست حوالي عام 750 قبل الميلاد، على يد الأخوين «رومولوس» و»روموس». وتشير المصادر الأثرية «الاركيولوجية» أن أوائل الذين كانوا قد قطنوا في موقع المدينة خلال القرن الثالث قبل الميلاد هم مجموعة من الرعاة الذين اختاروا موقعا على هضبة تشرف على النهر المجاور.
على الصعيد السكاني «الديموغرافي»، كانت روما خلال الحقبة الإمبراطورية من القرن الأول وحتى القرن الخامس الميلادي، هي أكبر مدينة في العالم حيث قارب عدد سكانها المليون نسمة. وبالمقارنة يشير المؤلف إلى أن مدنا أوروبية شهيرة أخرى مثل باريس ولندن، كان ينبغي عليها أن تنتظر الثورة الصناعية لتتجاوز في بدايات القرن التاسع عشر من حيث عدد السكان ما كانت روما قد عرفته في القرن الثالث الميلادي.
وكانت روما خلال تاريخها هدفا لعدة غزوات كان أكبرها تلك التي قامت بها جيوش «الهونس» القادمة من آسيا والذين أطلق عليهم الأوروبيون تسمية «البرابرة». وبعد فترة من الانحطاط خلال القرون الوسطى غدت المدينة أحد مراكز «عصر النهضة» الأوروبي منذ بدايات القرن السادس عشر.وذلك على مختلف المستويات، وخاصة العمرانية منها على يد الأسر الارستقراطية. وجرى تزيين ساحات روما الكبرى أيضا بالتماثيل وغيرها خلال القرن السابع عشر.
تتم الإشارة في هذا السياق أن ذلك الحماس الفني والعمراني كان يمثل بالوقت نفسه استجابة لرغبة البابوات الذين شجّعوا مثل تلك الحركة.
على الصعيد الثقافي عرفت روما قيام أول جامعة «سابيينزا» في مطلع القرن الرابع عشر. وهي أحد أكبر الجامعات في العالم من حيث عدد طلبتها حتى الوقت الراهن. وتضم المدينة اليوم عددا من الجامعات التي يتبع بعضها لإشراف «الفاتيكان».
وإذا كانت روما هي مدينة طلاّبية بامتياز، فإن «السياحة» تمثّل إحدى «الصناعات» الأساسية فيها بسبب ما تحتوي عليه من متاحف «تحفظ» تاريخ المدينة منذ الحقبة الرومانية حتى اليوم ويزورها سنويا عشرات الملايين من السائحين.
هذا كتاب عن تاريخ روما يقدم في مؤلفه تاريخ المدينة ومسيرة تطوّرها على مدى 500 صفحة تقريبا. وهو يعتمد في ذلك على المصادر المتوفرة، بما فيها الأدبية والفنية والاركيولوجية ، معطيات علم الآثار- بحيث أنه يرسم صورة قد تكون من بين الأكثر اكتمالا عن هذه المدينة التي عرفت، «رغم نواقصها»، كما يقول المؤلف، كيف تزدهر وتحافظ على ازدهارها على مدى قرون طويلة.
الكتاب: روما، صورة حية لمدينة قديمة
تأليف: ستيفن دايزون
الناشر: جامعة جون هوبكنز 2010
الصفحات: 488 صفحة
القطع: المتوسط
Rome : a living portrait of ancient city
Stephen L. Dyson
John Hopkins University Press - 2010
488p.