يستهل مؤلف الكتاب، د. محمد عاشور مهدي، دراسته وبحثه في الموضوع بالإشارة إلى تأكيد المصادر التاريخية على أن عرب الخليج وأهل الجزيرة العربية بشكل عام، هم أول من وصل إلى الساحل الشرقي الإفريقي، وأن بعض القبائل المهاجرة ترك شبه الجزيرة العربية وتوجه نحو وادي النيل، ومنه إلى الشرق والغرب، وإلى أماكن أخرى من إفريقيا، حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، وحمل المهاجرون معهم حضارتهم القديمة التي امتزجت بالحضارات الكائنة في أرض المهجر، حيث انتشر السكان ذوو الأصول العربية في معظم الجوار الإفريقي، واختلطوا وتزاوجوا بهم. وشهد العالم مجموعة من التحولات على الصعيدين السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي. فانعكست التحولات السياسية والأمنية التي شهدها العالم في مرحلة ما بعد الباردة على مجمل المشهد السياسي الدولي، حيث كانت القطبية الثنائية (المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي)، بمثابة الدرع الواقية من توغل النفوذ الغربي إلى الدول النامية، ولكن بزوال هذا النظام مع انهيار الكتلة الاشتراكية، بدا واضحاً الانكشاف الداخلي والإقليمي للكثير من الأنظمة، الأمر الذي ظهر جلياً في سلسلة التغييرات الداخلية والإقليمية والدولية التي طالت الدول الخليجية والإفريقية. وعلى الصعيد الاقتصادي بدا واضحاً ضعف الموقف التفاوضي للطرفين في مواجهة التكتلات الاقتصادية الإقليمية الأخرى، سواءً الناشئة، أو القديمة. وتمثل ذلك في حرمان المنتجات الخليجية من المنافسة العادلة في الأسواق العالمية، والتشدد في تنفيذ برامج الإصلاح الهيكلي، مع تعميق واقع التبعية الاقتصادية للخارج، وبشكل خاص للدول الاستعمارية القديمة. وبروز أشكال أخرى من العقبات مثل: المواصفات العالمية، وشروط حماية البيئة، وعمالة النساء والأطفال، وحقوق الإنسان، وسياسة الإغراق. وهذا في الوقت الذي انخفضت فيه المساعدات الخارجية لتلك الدول الإفريقية، وجرى التشدد في فرض الشروط السياسية لتلك المساعدات.
ويستعرض المؤلف واقع العلاقات الخليجية ــ الإفريقية من خلال تناوله لطبيعة وحجم التمثيل الدبلوماسي والتجاري بين الطرفين، مبينا نصيب إفريقيا من المساعدات والمشروعات التي تمولها الدول الخليجية - بشكل مباشر أو غير مباشر- وحجم المشروعات المشتركة، وتوزيعها، والمؤسسات والأطراف الفاعلة في ذلك.
كما يتحدث مهدي عن معوقات العلاقات الخليجية - الإفريقية وذلك من خلال الصورة النمطية في التقاليد والموروث الفكري والعقائدي والتاريخي لكل طرف عن الآخر. بدايةً بتصوير العربي على أنه امتداد لتاجر الرقيق، والإفريقي امتداداً للوثني المشرك بالله. ووقوع كلٍ من الطرفين فريسةً لاستقطاب القوى التقليدية التاريخية، والتي تتضارب مصالحها، وبالتالي تتضارب مصالح الأطراف الخليجية والإفريقية التابعة، علاوة على تباين دوافع التعاون في ما بينها، وكثرة الانقلابات وتغيير أنظمة الحكم، واختلاف الولاءات، وامتداد العدالة الدولية بالحظر، أو بالقبض، أو بمحاكمة البعض من هؤلاء القادة، وهي ما تعد محدداً لمستوى التوجه الخليجي نحو إفريقيا. كما يعتبر تهميش المشاركة الشعبية سبباً في هشاشة هذه الروابط، وجعلها مرتبطة بتمثيل حكومي غير معبر عن حقيقة الرغبات الشعبية في هذه الدول.
كذلك تركيز الدعم الثقافي الخليجي لإفريقيا في المظاهر الدينية واللغوية، بما يمكن تفسيره على أنه تمييزاً إثنياً ترفضه هذه الدول. ويطرح الكاتب مواقف الطرفين، الخليجي والإفريقي، من بعض القضايا التي تشكل محوراً للاهتمام المشترك، مثل الموقف الإفريقي من قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي، والقضايا على الساحة الخليجية، خاصة الغزو العراقي للكويت، والاحتلال الأميركي للعراق، وقضية الحد من الانتشار النووي في المنطقة.
وكذلك استعراض الموقف الخليجي من بعض القضايا الإفريقية، مثل قضايا التحرر الوطني، والتخلص من العنصرية، والصراعات والحروب الأهلية والعرقية الداخلية، والمساعدات الإنسانية والجفاف والتصحر واللاجئين.
ويشدد الدكتور مهدي على ضرورة التعامل مع المتغيرات في العلاقات الإقليمية في دول الجوار الإفريقي انطلاقاً من الواقع العملي الملموس، فمن غير المعقول الاعتماد على علاقات تاريخية وروحية وثقافية، يمكن الانقلاب عليها برد مضاد يتمثل في العنصرية والعبودية، وخطر الأصولية الدينية، ودعم الإرهاب. وذلك بغض النظر عن مصداقية هذا الخطاب المضاد. غير أن العبرة باحتواء آثار الخطاب، والخطاب المضاد، تكمن في بناء شبكة من المصالح التي يمكن تدعيمها باستخدام الخطاب العاطفي (التراث، الثقافة، الدين)، كما يمكن استخدام هذه المصالح في ترسيخ هذه القيم المعنوية والثقافية والحضارية المشتركة، عبر عملية تفاعل، تحقق المصلحة المشتركة للطرفين.
الكتاب: العلاقات الخليجية الإفريقية
تأليف: د. محمد عاشور مهدي
الناشر : مركز الإمارات للدراسات والبحوث
الاستراتيجية أبوظبي 2010
الصفحات: 192 صفحة
القطع: المتوسط