يوضح الدكتور سعد الدين كليب، في أبحاث الكتاب أن الفن هو الأكثر قدرة على تبيان الوعي الحداثي الشعري والفني الجمالي، وتجسيده وتمثله، ويتبدى ذلك في طبيعة المعالجات الجمالية للواقع وفي التقنيات الفنية، التي ليست سوى مظهر حسّي لما هو جمالي مجرّد، ومن هنا فإنّ مقاربة ذلك الوعي لا تتم إلا من خلال مقاربة الشكل الذي هو الوعي متمظهراً، أو لنقل إن الشكل الفني هو شكل الوعي الجمالي، ولذلك فإنّ أي تبدل في الوعي سوف ينعكس تبدلاً في الشكل، غير أنّ هذه المسألة لا تتم ميكانيكياً، أو بطريقة حتمية، فقد يتمكّن الشكل من استيعاب تبدلات الوعي غير الجذرية أو الجوهرية ولكن إذا ما كان الوعي الجمالي هو المنطلق في تبيان الحداثة، فإنّ هذا لا يؤدي بنا إلى إغفال الشكل الفني، ما يعني أنّ حداثة الوعي تنعكس حداثة في النصّ. ويرى كليب أن قضية التحديث الشعري قد شغلت النقد الأدبي الحديث، منذ أوائل القرن، منذ أن ظهرت مدرسة الديوان التي كانت لها المبادرة الأولى في الهجوم على ما هو تقليدي في الشعر العربي، وراحت تدعو إلى ضرورة التفرد والتميّز، فقضية التحديث إذا، هي قضية النقد، بقدر ما هي قضية الشعر الحداثي، ولهذا لا غرابة في أن يتأثر كل منهما بالآخر من حيث العمق والبلورة، ولا غرابة في أن تتعدّد المقاربات النقدية حول الحداثة ومسوغاتها وأسباب نشوئها ومستوياتها وتيّاراتها. ولكن اللافت للنظر في هذا النقد هو غياب التحليل النقدي لعلاقة ظاهرة الحداثة بالظاهرة الجمالية عامّة، والوعي الجمالي خاصة، لذلك فإنّ الوعي الجمالي الحداثي هو احدى تلك الصور الذهنية التي راحت تتشكل في المجتمع العربي المعاصر، بفعل المستجدات المتعدّدة والمختلفة التي بدأت بالبروز، منذ أوائل القرن العشرين، ومن هنا، فإن تبيان هذا الوعي هو في أساسه تبيان للخلفية الناظمة للحداثة الأدبية العربية عامة، والشعرية منها خاصة. ويمكن تعريف الوعي الجمالي عامّة بأنه الوعي الذي يتناول الظواهر والأشياء، من خلال سماتها الحسيّة وأثرها في الطبيعة النفسية والرّوحيّة للمتلقي، منطلقاً من المقاييس الجمالية التي تشكل مضمونه القيمي.
وهكذا فإنّ الفن تعبير عن وعي جمالي ذي طبيعة محدّدة، وإذا لم نفهم هذه البدهية، فإنّ تحويل الفن إلى شكل سياسي أو فلسفي أو أخلاقي أو ديني، يغدو أمراً محتوماً، كما يغدو من المحتوم أن نبحث عن أسباب غير جمالية في دراسة نشأة هذه الظاهرة الفنية أو تلك، وهو ما حصل مع بعض النقاد في دراسة الحداثة الشعرية العربية. ولقد طرح شعر الحداثة أنماطاً عدّة من الرموز الفنية التي استوعبت موقفه الجمالي والاجتماعي من الواقع الذي راح يتنامى فيه، ولولا ذلك لما تيسّر لـه أن ينتج رموزاً ذات إيحاء مكثف، تتكئ على بعض صفات الأشياء أو الموضوعات، مثلما تتكئ على الطبيعة النفسية والروحية للمبدع، وفي هذا تكمن الحرية التي نالها الشاعر الحداثي، في تعامله الجمالي مع الظواهر والأشياء، فلم يعد موكلاً بمحاكاتها، بل أصبح له الحقّ بتشكيلها تشكيلاً جديداً، يخرج بها من علاقاتها الموضوعية، من دون أن يلغي تأثيراتها فيه. ويعدّ النموذج الفني من أهم الأساليب التقنية التي استخدمها شعر الحداثة العربية، في تعبيره عن وعيه الجمالي الذي يتصف بالدرامية من جهة، وفي تعبيره عن الواقع الإنساني من جهة أخرى، إذ إن إنتاج النموذج الفني لا يعني التخفف من الغنائية فحسب، بل يعني أيضاً المعالجة الفنية لأوسع مساحة ممكنة من الواقع بعلاقاته وقيمه المختلفة. ويتوقف المؤلف عند قصيدة «الصقر» لأدونيس، بوصفها مثالاً على هذا النمط:
الصقر في متاهه، في يأسه الخلاق
يبني على الذروة في نهاية الأعماق
أندلس الأعماق
أندلس الطالع من دمشق
يحمل للغرب حصاد الشرق
ويتابع المؤلف مشيرا إلى أن الشعر بوصفه موقفاً وخطاباً جماليين، ينطوي على خطاب أيديولوجي ما، أي أن يتحدد أيديولوجياً مثلما يتحدد لغوياً وذاتياً، غير أنّ تحديده الإيديولوجي لا يؤدي به إلى أن يتحول إلى أيديولوجية، وإذا ما حصل ذلك، فإن انتفاء الشعري عن النص الذي من المفترض أن يكون شعرياً، يغدو أمراً محتوماً، ويستشهد الباحث هنا بقصيدة للشاعر الراحل محمود درويش، يقول فيها:
مرّة أخرى، ينام القتلة
تحت جلدي وتصير المشنقة
علماً أو سنبلة
في سماء الغابة المحترقة
الكتاب:: وعي الحداثة «دراسة جمالية في الحداثة الشعرية»
تأليف: د. سعدالدين كليب
الناشر: دار الينابيع دمشق 2010
الصفحات: 262 صفحة
القطع: المتوسط