تابعت الصحفية الهولندية ليندا بولمان قوات الأمم المتحدة المكلفة بالمحافظة على السلام خلال الأزمات التي عرفها عقد التسعينات الماضي. هكذا كانت شاهدا على انهيار هاييتي وكوارث الصومال وعرفت عن قرب ذروة تلك الأزمات التي تمثلت في المذابح برواندة خلال صيف عالم ‬1994. وهي تكتب اليوم عن «ألعاب الحرب»، كما جاء في عنوان كتابها الذي تحكي فيه «قصة المساعدات والحرب في الأزمنة الحديثة»، كما يقول عنوانه الفرعي.

قيل الكثير وتتالت حملات النقد حول العديد من سلوكيات المجموعة الدولية وحكوماتها بسبب العجز الذي ظهر وعدم فاعلية التدخلات العسكرية التي كان ينبغي منها أن توقف المجازر وتضع حدا لآلام الذين كانوا ضحيتها من الأبرياء المدنيين. والنقد خاصة للآليات التي عرفتها المساعدات الدولية من غابات رواندة وسيراليون إلى جبال أفغانستان الوعرة. ما تشرحه مؤلفة هذا الكتاب يصب في القول إن هذه المساعدات «الإنسانية»، التي تصفها بـ«المشروع الهائل» الرامي إلى الحد من الآلام الإنسانية، قد أعطت أحيانا نتائج عكسية وساهمت في استمرار البؤس. كذلك تؤكد المؤلفة في نفس الإطار أن قسما من أموال المساعدات يتم استثمارها في مشاريع تعود مكاسبها في النهاية إلى سادة الحرب، أو ربما قد يتم توزيعها بين المجموعات المتمردة أثناء فترات الحروب والنزاعات مما يسمح لها عمليا بمتابعة القتال. هكذا تتولد لدى بعض «ضحايا» النزاعات القناعة أن «الحرب» تشكل الوسيلة الوحيدة لتأمين الخبز. باختصار تصل المؤلفة إلى القول أن مآل المساعدات الإنسانية يشابه «الدوران في حلقة مفرغة»، وهي تحاول الإجابة على الأسئلة التي قد يتم طرحها في كل مرحلة من مراحل هذه «الدورة».

وإذا كانت المؤلفة تشير بأشكال مختلفة إلى أنه لا يمكن توصيف جميع المساعدات الإنسانية بـ«السوء»، فإنها بالمقابل تحاول دفع الجميع إلى «التأمل» و«التدقيق» في سلوكيتهم بهذا المجال وبنتائج ما يقومون به من أعمال «إنسانية». أما الخلفية التي تقوم عليها مثل هذه الأعمال فهي بطبيعتها ذات طابع إنساني.

إذ يكفي أن تعرض شاشات التلفزيون ضحايا الحرب في إفريقيا أو الهزات الأرضية لتتولد لدى البشر رغبة «العطاء» بعيدا عن التفكير بالسبيل الذي سوف تذهب إليه حقيقة الأموال المقدّمة.إن البشر يعيشون اليوم عصر وسائل الإعلام، كما تشير مؤلفة الكتاب بأشكال مختلفة. وأصبح البشر «يعايشون» مباشرة، وهم في غرفهم، ما يجري في العالم من أحداث وصور اللاجئين والأطفال الجوعى والمشرّدين تزخر بها الشاشات وهي مرفقة أحيانا بطلب «مساعدة إنسانية» بمبلغ «زهيد»، ودون نسيان رقم الحساب.

ما تؤكده ليندا بولمان هو أن الحقيقة شيء آخر، ذلك بناء على معرفتها العيانية أن العديد من اللاجئين في مخيمات غون كانوا من قبيلة الهوتو الذين دفعهم قادتهم لارتكاب المجازر ضد مواطنيهم من قبيلة التوتسي. هكذا اختلط الجنود وأفراد الميليشيات مع النازحين بينما نزلت الحكومة المسؤولة عن المجزرة في فندق مجاور بالوقت نفسه تتابعت من هناك البرامج الإذاعية الداعية لحمل السلاح والممولة من منظمات المساعدات الإنسانية. لقد تجمّع الجنود وتجاوزوا الحدود نحو رواندة ليتابعوا قتل الأبرياء من التوتسي و«المعتدلين» من الهوتو. بل وتؤكد المؤلفة القول إن عددا من المتطرفين الهوتو كانوا يعملون لدى منظمات للمساعدات الإنسانية. وتشير المؤلفة في هذا السياق أن تلك الحقائق لم تصل أبدا إلى تلفزيونات «المتبرعون الكرماء» في الغرب. ثم إن المنافسة من أجل الحصول على موقع لهيئات المساعدة دفع موظفوها إلى أن يلوذوا بالصمت، بل وبالتواطؤ. بل جرى تخريب البلاد ونهبها أثناء انسحاب الجيش وميليشيات الهوتو التي تعيش الآن على المساعدات الخارجية استعدادا لـ«مذبحة جديدة».

الكتاب: ألعاب الحرب، قصة المساعدات الإنسانية والحرب في الأزمنة الحديقة

تأليف: ليندا بولمان

الناشر: فايكنغ لندن ‬2010

الصفحات: ‬224 صفحة

القطع: المتوسط