في صيف عام 1994 عرفت رواندا، البلد الإفريقي الفقير، أحد أكبر المجازر الجماعية في القرن العشرين حيث كانت حصيلتها حوالي مليون قتيل أغلبيتهم الساحقة (حوالي 800000) من قبيلة التوتسي والباقي من قبيلة الهوتو.
المعروف أن فرنسا حاولت آنذاك، خاصة بعد أن أظهرت وسائل الإعلام العالمية «متأخرة جدا» فظاعة ما كان يجري، دفع منظمة الأمم المتحدة كي ترسل قوة سلام دولية لوضع حد للمجزرة. فكانت «عملية توركواز» بقيادة الجنرال الفرنسي «جان كلود لافوركاد» الذي يقدّم في هذا الكتاب شهادته تحت عنوان «عملية توركواز».إن المؤلف-الجنرال يعرض في هذا العمل بعد 16 سنة الأسباب التي دعت بلاده للتدخل في رواندا خلال صيف 1994 ويصف المهمة «التي أنجزوها على أفضل صورة ممكنة»، كما يقول. هذا وكانت فرنسا قد واجهت أشكال نقد واتهام عديدة من قبل حكومة كيغالي، ع
اصمة رواندة، وغيرها على أساس أنها تدخّلت لصالح طرف ضد الطرف الآخر. بل ووصلت الاتهامات إلى حد القول إن الجنود الفرنسيين ساهموا في نشر الرعب و«أصبحوا متواطئين في ارتكاب المجزرة». واتهمهم الرئيس الرواندي «بول كاغالي» أنهم «جاؤوا كي يقتلوا التوتسي».
«كلا، لم يحدث ذلك ولا ينبغي للجنود الذين شاركوا في العملية أن تحمّر وجوههم خجلا مما فعلوا»، هذا هو مضمون الرسالة التي يحتويها الكتاب. ويعود المؤلف إلى الحكاية من أولها، أي إلى يوم 6 أبريل 1994 عندما جرى اغتيال الرئيس الرواندي «جوفينال هالبارمانا» من قبيلة «الهوتو» لتبدأ المذابح ضد أفراد قبيلة «التوتسي».
إن المؤلف يعود في الفصل الأول من الكتاب إلى شهر يونيو 1994. وكانت الأمم المتحدة في تبنّت في 23 من ذلك الشهر القرار رقم 929 للقيام بـ «عملية توركواز» وأوكلت مهمة قيادتها للجنرال، مؤلف هذا الكتاب.
وهو يؤكد أنه كان على دراية كاملة بـ «دقة المهمة» التي كان يقوم بها نظراً لـ «العلاقات المتردية مع القوات المسلّحة الرواندية «الموالية للهوتو» الحلفاء السابقين لفرنسا الذين كان يعتقد الجميع أن «أيديهم ملوّثة بالدماء» والذين كانوا يتعرّضون في الوقت نفسه لضغوط كبيرة ولعزلة على الصعيد الدولي.
ويؤكد المؤلف في هذا السياق بروايته أنه وجد نفسه أمام الضرورة الملحّة بالعمل سريعاً لـ «إنقاذ بعض الأرواح». ويشير إلى إدراكه آنذاك أنهم قد وصلوا «متأخرين» جدا وأن الضحايا كانوا كثيرين. ولكن من الهام «إنقاذ أي فرد من التعرّض للذبح».
كانت «مسؤولية ثقيلة جدا»، كما يقول ويضيف: «لم أكن طليق اليدين كي أفعل ما أريد (...). ولكنني كنت أملك هامشاً كبيراً للمناورة. لقد منحني العالم الثقة وكان إحساسي بالمسؤولية كبيرا».
وفي فصل يحمل عنوان «القانون والنظام» يقوم المؤلف بتوصيف الحالة في رواندا آنذاك بكل مكوناتها وقواها السياسية. ويؤكد خاصة على حالة العداء التي كانت قائمة بين «الجبهة الوطنية الرواندية»، أي التعبير السياسي لقبيلة التوتسي، وبين «القوات المسلحة الرواندية» الداعمة لسلطة الهوتو ولرئيسها «بول كاغالي».
بكل الحالات كانت الإستراتيجية التي تبنّاها الجنرال-المؤلف، تقوم على مبدأ عسكري معروف مفاده: «من أجل تجنّب استخدام القوّة، تكمن الوسيلة الأفضل في إعطاء الأولوية لإمكانية الردع». كانت ترجمة ذلك هي في امتلاكه على قوة كافية «لردع» كل من يحاول الاعتراض على تنفيذ مهمته. كانت المحطة الأولى في الطريق إلى رواندة هي «الزائير».
ثم بدأ تنفيذ المهمة بـ «بطء شديد». لماذا؟ قال المؤلف، حسبما يروي، أنه أجاب على هذا السؤال الذي طرحه بعض الصحفيين بالقول: «لماذا نتقدم ببطء؟ ذلك لكون أننا وحدنا. إن فرنسا وحدها هي التي تجرأت وتدخّلت. أين هم البريطانيون والأميركيون الذين كانوا قد عرقلوا عملنا قبل التدخل ؟».
ثم كانت «مواجهة الرعب»، كما جاء في عنوان أحد فصول الكتاب. «الرعب» أمام «اكتشاف مذابح جديدة» في كل مكان من رواندا. يضاف إلى هذا «تعاظم المشاكل المتعلقة بهروب السكان من الهوتو أمام زحف ميليشيات «الجبهة الوطنية الرواندية» من التوتسي. وكان من المطلوب «التدخل» إذن على خلفية إدراك أن «أية عملية عسكرية فيها شيء من لعبة الشطرنج». ويؤكد المؤلف إدراكه أيضا أن القوات المسلّحة الرواندية الداعمة لـ «الهوتو» كانت قد «خسرت المعركة» بعد الفترة الأولى لارتكاب المجازر. ذلك أن موازين القوى مالت بوضوح لقوات «الجبهة الوطنية الرواندية».
وبعد شهرين من بداية «عملية توركواز» يتساءل المؤلف في فصل أخير: «هل فرنسا متواطئة؟». ويشرح أنه مهما كانت الآراء وتعددت وجهاتها تبقى هناك حقيقة واحدة هي أن «عملية توركواز» ساهمت في إنقاذ «مئات الآلاف من الأرواح». فـ «كيف يمكن تصوّر اتهامنا ذات يوم بأبشع الجرائم وأننا ساهمنا في المجزرة»؟.
ويختم دفاعه عن مهمته بالقول: «بدون عملية توركواز، أنا على قناعة كاملة أن عدد الضحايا ما كان له سوى أن يتعاظم كثيرا وأن كارثة إنسانية كانت قد تمتد إلى جميع منطقة البحيرات الكبرى».
ما يؤكده المؤلف في كلماته الأخيرة هو أن السلام بين الهوتو والتوتسي في رواندا يمر عبر «معاقبة المجرمين» على ما اقترفوه من مجازر. أما «الحقيقة المطلوبة» فهي أوّلا وأخيرا مسؤولية المؤرخين.
الكتاب: عملية توركواز رواندا 1994
تأليف: جان كلود فوركاد
الناشر: بيران باريس 2010
الصفحات: 218 صفحة
القطع: المتوسط
Opération Turquoise, Rwanda 1994
Jean-Claude Lafourcade
Perrin ـ Paris- 2010
218p.