أوابد أثرية لم يخبُ بريقها على مر العصور على غرار قصر الحمراء والكاتدرائية القديمة، وكنوز أخرى عديدة في مدينة غرناطة الأندلسية الأسطورية، تشكل نقطة التقاء لشتى الثقافات، كما أنها مهد الشاعر فديريكو غارسيا لوركا.

تروي أسطورة أندلسية أن السلطان أبو عبدالله، ملك غرناطة الأخير، أجهش في البكاء عندما ودع مدينته عقب استسلامه للملكين الكاثوليكيين في يناير 1492. ولم تكن الأسباب تنقص العاهل الناصري حتى ينحو هذا المنحى، فبعد خمسة قرون من الزمن مرت على ذلك الحدث المأساوي وقصر الحمراء، الذي لطالما أسف عليه، ومحيطه من الروابي المشمسة الواقعة عند كعب جبال «سييرا نيفادا»، وهي عبارة تعني سلسلة الجبال الثلجية، لا تزال تثير إعجاب العالم.

هندسة معمارية عربية

على هذا النحو، فإنه لا يمكن القول، بأي حال من الأحوال، إن غرناطة مدينة لحظة واحدة بعينها، بل إنها مهد ومصدر وحي الشاعر والكاتب المسرحي فديريكو غارسيا لوركا، ونقطة التقاء التقاليد الإسلامية واليهودية والمسيحية، وقبل هذا وذاك أرض الحسن والدفء الأندلسيين، فضلا عن أن هذه المدينة الإسبانية الشماء تحتضن أكثر من نزهة عبر دروبها التي تعود إلى القرون الوسطى، بما في ذلك مواقعها المسيجة وحدائقها الصغيرة المتخفية خلف أسوار أقدم البيوت.

من حي «البائسين» تنحدر الحدائق الغرناطية التقليدية، كما تسمى في هذه المنطقة البيوت التي فيها حدائق وجنائن وبساتين، وبالولوج إلى الشوارع الضيقة والمائلة، تهب على حين غرة رائحة الياسمين أو يطل غصن من نبات متسلق من فوق سور، ما يسمح للمرء بأن يدرك بداهة جانبا من السحر الخفي لهذه الجنان الخاصة. وفي قائمة الأمكنة التي لا بد من زيارتها في هذا الجانب من المدينة يبرز قصر «الدار الحرة» إلى جانب سور «القصبة» والحمامات العربية التي يطلق عليها «بونويلو» بالقرب من الطريق الذي يطوق نهر «دارو». في «الدار الحرة» سكنت عائشة أم أبي عبدالله، سيئ الحظ. بينما كانت الحمامات مفتوحة، في المقابل، لعامة الناس، حيث لا يزال من الممكن حتى اليوم التجوال عبر صالاته المقببة والمقنطرة وذلك قبل المضي قدما عبر شارع «دارو» وصولا إلى مصاطب الحانات الصغيرة في «متنزه الحزانى».

زوايا وسط المدينة

في طريق العودة، يفضي الطريق إلى شارع «كالديريا نويفا»، حيث تم في زمن ما إنشاء الواجهات في هذا الجزء من المدينة، وأطلق عليها أسماء فيها الكثير من الإيحاء مثل القصبة أو الناصرية. وعندما يحل المساء، فإن ذلك المكان يصبح مثاليا للتوقف لتذوق مختلف أنواع الشاي الشرقية أو القهوة أو العصائر. الصواني التي تتحرك ذهابا وإيابا تترك بمرورها روائح النعناع وزهر البرتقال عابقة في المكان. أما المبكرون من الزوار، فإنهم يحضرون عادة لتذوق مغلي الفانيلا مع شرائح الشوكولاته. ومع مرور الساعات، يحين وقت تذوق مشروبات أخرى والتلذذ بطعم طبق لذيذ من «الكسكس».

وبالعودة إلى وسط المدينة من جديد، يكفي الالتفاف حول كاتدرائية المدينة ليجد المرء نفسه قبالة القيصرية، السوق الشعبية التاريخية في المدينة والتي تعود جذورها إلى القرن السادس، عندما شجعت الإمبراطورية الرومانية، التي كانت تحتل هذه المناطق آنذاك، تجارة الحرير وروجت لها في المنطقة. واليوم أصبح الغرناطيون أقلية بين الزوار القادمين من بقية إسبانيا ومن أنحاء متفرقة من العالم، الذين يحضرون بحثا عن الأقمشة المطرزة والخزفيات الملونة والمرسومة والمشغولات اليدوية المغربية أو الألبسة القادمة من مصر. أما النصيحة الرئيسية فهي الذهاب مع ما يكفي من الوقت للمفاصلة وللضياع من وقت لآخر في هذه المتاهة الحقيقية من الشوارع. على الجانب الأيسر من النهر يقبع حي «رياليخادو»، وهو حي شعبي آخر من أحياء غرناطة التاريخية. وفي أوج ازدهاره وبهائه كان مقرا للجزء الأكبر من يهود غرناطة وذلك حتى تم طردهم مع وصول الملكين الكاثوليكيين. وبالصعود عبر شارع «بافانيراس» ومن ثم عبر «مولينينوس»، يصل الزائر إلى «كامبو ديل برنسيبي»، أي مخيم الأمير. هناك ينتصب تمثال للسيد المسيح على صليب من الحجر ويعتبر هذا المكان أحد أكثر الأمكنة ارتيادا خلال الجمعة العظيمة. أما في الصيف، فإنه يصبح وجهة حقيقية للحجيج وحينها يمكن الدخول إلى حانة وطلب مشروب، وانتظار وصول كمية محددة من الكروش أو طبق من القواقع أو السجق في موكب مهيب لا يخلو من خرافة.

حتى بالنسبة للذين أقل استعدادا للرحلات المنظمة والترتيب لها بشكل مسبق، فإن زيارة قصر الحمراء تتطلب حدا أدنى من التخطيط والدقة، ذلك أن أعداد الزوار محدودة، ما يجعل من المناسب تأمين تذاكر الدخول في وقت مسبق. أما الدخول إلى القصور الناصرية، فإنه محدود أيضاً ومحدد بدقة وبعدد معين من تذاكر الدخول، ما يشكل مجموعة من القواعد والقوانين الملزمة، لكن اتباعها والتقيد بها لا يبدو أمرا سيئا مقابل اكتشاف ركن من العالم يدهش حتى الذين يعتقدون أنهم شاهدوا كل شيء فيه. الوصول إلى قصر الحمراء يتم بالحافلات من الساحة الجديدة «بلازا نويفا»، لكن يفضل السير على الأقدام عبر منطقة «غوميريز» وصولا إلى بوابة «بويرتا دي لاس غراناداس» وحديقة أشجار الحور التي تسبق المباني ورواق الجبس والقصبة.

وفي إحدى الجنبات يمكن رؤية قصر كارلوس الخامس، وهو نوع استثنائي من المباني من عصر النهضة، شيد وسط العمارة الناصرية في القرن السادس عشر ولا يزال حتى الآن يثير حالة واسعة من الجدل، ذلك أنه، من أجل بنائه، تم هدم جزء من العمارة الأصلية، لكن ثمة من يقول أيضاً إن اهتمام الملكين المسيحيين هو الذي أنقذه من التدمير الكامل.

في يومنا هذا، يقوم متحف الفنون الجميلة للمدينة بوظائفه على أكمل وجه هناك. وإلى جانب القصر الأول هذا من جهة القصبة المعد لأغراض الدفاع، تلمح من بعيد غرناطة بكل امتداداتها. ومن هناك تقود الخطوات الزائر، عبر بوابة «بويرتا ديل فينو»، أي بوابة النبيذ، وصولا إلى القصور الناصرية المشيدة في القرن الرابع عشر، قصر «كومارس» وقصر الأسود، التي تشكل القلب النابض لقصر الحمراء وتشكل بمجموعها إمبراطورية حقيقية من التفاصيل، حيث لا يوجد أي ركن خال من النقوش والكتابات الدينية والزخارف وأبيات الشعر. ولا يمتلك المرء إلا أن يتوقف أمام روعة المقرصنات في الأقواس والقباب، بينما تكمل الخطوط البسيطة، الفضاءات المفتوحة على الحدائق، الماء والألعاب والضوء هذه التوليفة القائمة على التفوق والوفرة.

ورود ونجوم وأشعار

كل ذلك ينسحب على رواق «أرايانس»، حيث زيارة الرواق وبرج كومارس، تدهش الزائر بشكل مزدوج وذلك بفضل الانعكاس في البركة الرئيسية. أو على جدران مجلس المقابلات المزينة بزخارف وردية ونجوم وأشعار وآيات من القرآن الكريم. هنا كل شيء يلفت الانتباه بدءا من إفريز قاعدة العمود القاشاني مرورا بالشبابيك الصغيرة بزجاجها الملون والمعشق وصولا إلى السقف، حيث يظهر عدد لا متناه من النجوم والكواكب التي تمثل الكون الشاسع.

وبالعودة إلى رواق «أرايانس»، يتواصل المشوار حتى رواق الأسود، الذي يفضي إلى غرف الملك وعائلته. في هذه اللحظة يحين وقت التوقف تحت الرواق وتأمل البركة الرئيسية فيما الضوء ينعكس على الأعمدة الرخامية. من هنا يلج الزائر إلى مختلف الغرف، غرفة الملك وغرفة الشقيقتين والشرفات التي تطل على الحدائق التي شيدها كارلوس الخامس ومقر الحريم. هذه الجولة بين القصور تفضي إلى حدائق «بارتال»، المكان المخصص لغرف الخدم.

قبل العودة إلى المدينة، لا بأس بالقيام بجولة عبر الجزء الذي يعود إلى «جنيرالفي»، مقر استراحة الملوك الذي يقع قبالة الحمراء، حيث المباني أكثر بساطة من المباني المجاورة، بينما بيوت الأشراف تلمع بفضل حدائقها وبفضل تصاميم المصطبات وسواقي المياه التي كان ضروريا تشييدها لتزويد قاطنيها بالماء. لكن المنظر ليس هو الذي كان في تلك الحقبة القديمة، إذ لم يبق على حاله، فبعض أصناف الأشجار تغيرت، وبيوت الاستراحة فقدت جزءاً من بهائها القديم، فهناك في الوادي تمر الدراجات النارية والسيارات في الشوارع تحت السطوح الملونة للأحياء الغرناطية.

لكن هنا، في حدائق استراحة، يمر الوقت على راحته، فسواء في صالات رواق أسيكيا أو في زوايا رواق سيبريسي يهدأ العقل ويسكن ليتسنى له حفظ كافة الانطباعات التي ولدتها الزيارة. ومن ثم يحين وقت العودة إلى المدخل سيرا على الأقدام وبصمت لأنه لا يزال من الصعب قول وداعا لقصر الحمراء اليوم، مثل ما كان عليه الأمر بالأمس.

غرناطة

في سطور

تقع مدينة غرناطة على بعد 267 ميلا جنوب مدينة مدريد (عاصمة إسبانيا)، تعلو عن سطح البحر حوالي ؟؟؟ متراً، وهو ما يجعل مناخها غاية في الروعة واللطف. وقد أسست على موضع مدينة رومانية اسمها (أليبيري). وغرناطة هي آخر مملكة من ممالك المسلمين في الأندلس، وآخر مدينة سُلّمت بعد حروب وحصار مرير. وازدهرت غرناطة على يد بني الأحمر، وذلك عندما دخلها محمد بن يوسف بن نصر استجابة لمطلب أهلها سنة 1232، وضمت مدينة غرناطة ثلاث ولايات هي كل ما تبقى للمسلمين في الأندلس، وكانت تمتد ما بين شاطئ البحر المتوسط حتى مضيق جبل طارق: غرناطة في الوسط وفيها العاصمة، والمرية في الشرق، وملقة في الغرب والجنوب

باسل أبوحمدة