منذ الرحيل التراجيدي للشاعر محمود درويش في 9 أغسطس 2008، اعتقدنا أن المؤسسات الرسمية الثقافية سوف تحتفي به وبمنجزه الشعري، خاصة أن بيانات رسمية كثيرة صدرت في رحيله تحمل تواقيع حكومية ورسمية، حتى اعتقد القارئ أن بوابة الشعر أغلقت دونه، وكاد الظن يذهب بنا بعيداً نحو إنشاء مؤسسات ثقافية تحمل اسمه، وجوائز تمنح في ذكراه وكتب تستعيد قيمته كشاعر، وأن يطلق اسمه على مدارس أو ساحات أو قاعات، أو متحف يفوح منه أريج بقاياه.
ماذا فعلنا لمحمود درويش بعد عامين من رحيله، الحصيلة قليلة، في العام الأول صدر كتاب بعنوان «آن لهذه القصيدة أن تنتهي»، فأثار من المعارك ما يفيض عن حاجتنا، وفي العام الثاني أطلق الفرنسيون اسمه على ساحة عامة في باريس (هل فعلنا ذلك؟)، وفي المقابل صرحنا بجائزة سوف تحمل اسمه، وأعلنا عن مهرجانات تخليداً لروحه، ولم نهمل افتتاحيات كتب شعرية أُهديت له، كما أهملنا الاعتناء بقبره وحديقته التي ليست سوى بضع شجيرات حول ضريحه المهجور في برية الحزن.
لقد توقف حلم محمود درويش ليس بموته فقط، ولكن بإعلان توقف مجلة «الكرمل» نهائياً بعد تسعين عدداً، كما كانت في خلالها متقطعة الصدور، وكان حري بنا وقد فجعنا برحيل درويش، أفراداً وحكومات، ألا نكتفي بالتصريح عن إنشاء مؤسسة تحمل اسمه، بل بالوقوف إلى جانب الكرمل ومؤازرة مشروعها الثقافي النهضوي، لعلنا بذلك نفي ببعض التزاماتنا تجاه من ساهم في تحويل فلسطين في الضمير العالمي من قضية سياسية إلى قضية وجدانية ذات بعد إنساني أعمق وأشمل في مشروعيتها.
لم يكن محمود درويش شاعراً فلسطينياً مناضلاً فحسب، بل كان مثقفاً رائياً قادراً على تجاوز زمنه للعيش في ذاكرة الغد، لذلك كان لوثيقة إعلان استقلال دولة فلسطين الصادرة يوم 15 نوفمبر 1988 في الجزائر، والتي كتبها محمود درويش بنفسه، صدى أعمق من كتابة جيوسياسية يقدمها رفاق النضال وإخوة المصير للأجيال اللاحقة، لأن قدرة الشعر تقفز فوق الزمن لتعيش إلى الأبد.
لقد أنشدنا عشرات الأغنيات وكتبنا مئات المقالات عن محمود درويش، حياً أو ميتاً، ودوّنا الكثير على مواقعنا الإلكترونية، ولكنها ستبقى جميعها عاجزة عن الثبات كقيمة مطلقة للثقافة إذا لم تحمها المؤسسة الحكومية العربية ( ليس الفلسطينية فقط) وتعطيها صفة الديمومة والاستمرار، وحتى نطالع ساحة تحمل اسم محمود أو مدرسة أو جائزة أو... أو...، سيمر عام ثالث دون تحقق ذلك.