يتطرق الباحث عبد الصمد، في هذا الكتاب، إلى وظيفة الأغنية الشعبية في إطار الثقافة السائدة، وذلك سواء على المستوى الفردي أو الجمعي، عرضا لخصائصها، والتي تمثل حداً فارقاً بين مختلف تصنيفات الأغنية نوعياً، وخاصة بين الأغنية الشعبية والأغنية الدارجة أو الجماهيرية.
ويشير المؤلف إلى أن درنة (مجتمع البحث)، تقع على الساحل الشمالي الشرقي لليبيا، مبينا ما يحدها، مبينا الصفات المناخية والطبيعية فيها.ويلفت عبد الصمد إلى أهمية دراسة أغاني الأعراس الشعبية، على اعتبار أن العرس الشعبي وفعالياته، يعدان ظاهرة فولكلورية تقوم بوظيفة مهمة في ميدان الحفاظ على عناصر الثقافة الشعبية من عادات وتقاليد ومعتقدات وتصورات ذهنية ورؤى أنطولوجية... إلخ.كما أن الاحتفالات الشعبية ـ واحتفال العرس منها بكل تأكيد ـ فرصة للتواصل بين أبناء المجتمع الواحد، ومحاولة لتحقيق قدر من الإشباع النفسي والاجتماعي عن طريق المشاركة الفاعلة في المناسبة الاجتماعية للغير.
وتكشف هذه الدراسة أن المرأة في درنة تأخذ من الأغنية الشعبية وعاء، ومن العرس إطاراً للتعبير عن ما في نفسها من شكوى أو امتعاض أو رفض، وقد يأخذ هذا الاعتراض شكلاً صريحاً أو ضمنياً، ولا يوجد أي حرج عليها أو محاسبة لها، وذلك لطبيعة المناسبة والروح الاحتفالية السائدة.
ويوضح المؤلف أن الأغنية الشعبية تسهم في العملية الواعية، التي يحاول بها الأفراد والجماعات أن يتلاءموا مع الأوضاع المختلفة، التي يوجدون فيها بالمجتمع، ويحاولون المواءمة بين سلوكهم والظروف المحيطة.
كما اشتغلت دراسة عبد الصمد على تساؤلات أساسية عن وظائف الأغنية الشعبية، وكيف تؤدي هذه الوظائف؟ وجاءت في أربعة فصول، الفصل الأول منها عن مجتمع البحث.
حيث قدم الباحث قراءة جغرافية لمجتمع درنة، ومدى تأثير إيكولوجيا المكان في تشكيل ثقافة درنة وسكانها، ثم تناول بالبحث تاريخ منطقة درنة وتشكلها على مر العصور، وذلك للبحث في مدى تأثير الزمن في تشكيل وبلورة ثقافتها، وكذلك لمساعدة الباحث في فهم أسباب وجود استمرار عناصر ثقافة معينة، والأسباب التاريخية لتبني المجتمع لها، كما أن الدراسة التاريخية تساعد على تفسير حركة الهجرات البشرية، وتأثير هذا على ثقافة المجتمع المهاجر إليه.
وعرض هذا الفصل للأنشطة الاقتصادية في المجتمع والعقيدة الدينية السائدة ومدى تأثيرها في سلوك الأفراد وأفكارهم.وفي الفصل الثاني: «أغاني احتفالية العرس الشعبي في مجتمع درنة» يعرض المؤلف لمراحل وفعاليات الاحتفال بالزواج في درنة، والمعايير والضوابط التي تحكم اختيار العروس أو الموافقة على العريس، ومدى تعبير الأغنية الشعبية عن تلك المعايير وتدعيمها لها، مع عرض واف للقوالب الغنائية التي تؤدى في الأعراس الشعبية، وبنيتها، وكيفية أدائها، وتقديم قراءة ثقافية اجتماعية لهذه الأغاني.ويتبنى عبد الصمد في الفصل الثالث:
«الوظائف الثقافية لأغاني الأعراس الشعبية في مجتمع درنة»، فكرة أن الأغنية الشعبية ـ بوصفها أداة اتصال ـ، هي حاملة لمنظومة قيم ثقافية يتبناها المجتمع ويحاول الحفاظ عليها، وقسم الباحث هذه القيم بعد تحليل النصوص الغنائية واستخلاص خطابها، تقسيماً مضمونياً.ويقدم الباحث نموذجاً لتحليل بعض النصوص التي تم جمعها من مجتمع درنة، في مختلف القوالب الغنائية المنتشرة هناك، حيث عرض في الفصل الرابع للوظائف الاجتماعية للأغنية الشعبية، وقسمها تقسيماً مبدئياً إلى:
أولا الضبط الاجتماعي، وثانيا التكيف الاجتماعي، وثالثا الوظيفة النفسية للأغنية الشعبية.وبعد هذه الدراسة والجمع الميداني لأغاني الأعراس الشعبية من مجتمع درنة، وبعد عملية تحليل المضمون لهذه الأغاني وقراءتها أنثروبولوجياً في سياق ثقافة المجتمع، توصل الباحث إلى العديد من النتائج، ومن أهمها:
تتشكل الأغنية الشعبية في ضوء الثقافة السائدة، حيث إن خطابها الفكري وموضوعها يجعلانها موضوعاً للأنثروبولوجيا الثقافية.العرس الشعبي ظاهرة فولكلورية تعمل على المحافظة على المأثور الشعبي.مبدع الأغنية الشعبية ومرددها هو ابن مجتمع خضع لعملية غرس ثقافي، شكلت طبعه ووجدانه.
تكتسب الأغنية الشعبية أهميتها الكبرى من مساحة انتشارها وتداولها، وما تحمله من أفكار المجتمع وتوجهاته.للأغنية الشعبية دور مهم في التأريخ الشفاهي والتوثيق لمراحل تاريخية لم يتم الالتفات لها.
تحمل الأغنية الشعبية في مجتمع البحث الكثير من الموجهات القيمة التي يلتزم بها أعضاء المجتمع.تقوم الجماعة الشعبية بإعادة إنتاج الأغنية الشعبية في كل أداء تقوم به للأغنية ذاتها، وهذا إضافة لمجموعة من النتائج الأخرى.
الكتاب: وظائف الأغنية الشعبية في مجتمع درنة الليبية
تأليف: محمد أمين عبد الصمد
الناشر: هيئة قصور الثقافة 2010
الصفحات: 392 صفحة
القطع : المتوسط
محمد الحمامصي