الأخضر لون الحياة، فهو ذلك البديع الذي يشعرنا أن الأشجار استفاقت في الربيع من سباتها الجاف، وشيئا فشيئا، تطرح من عمقها ذلك اللون الذي يعبر عن احد مصادر الطاقة في الكون، ففيه الكثير من الأسرار التي اكتشف العلماء بعضها، بعد أن كان الناس يتعاملون معه كتقليد، دون معرفة تلك الأسس التي تبتعد بالأخضر عن كونه مجرد لون عادي.
يتواجد الأخضر في الطبيعة كنتيجة لعملية التمثيل الضوئي الغذائي للنباتات، كما يتواجد بشكل خام في بعض الأتربة التي يستخرج منها اللون الأخضر، قبل ان يصنع على شكل أصبغة كيماوية. وهو لون إحدى أغلى الأحجار الكريمة: «الزمرد»، والذي شكلته الطبيعة عبر ملايين السنين، فالزمرد متشبع بذلك الأخضر العميق والشفاف، إضافة لهذا فالأخضر لون العديد من الحيوانات والحشرات، مثل مجموعة من: السحالي، البرمائيات، الثعابين، والببغاوات، وغيرها.ويشكل هذا اللون أحد ألوان الطيف السبعة التي تظهر من خلال «الموشور» الذي يحلل الضوء الأبيض إلى ألوانه الأساسية، أو ما يعرف بعد حدوث الأمطار ب«قوس قزح»، ويأتي ترتيب الألوان كالتالي: الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلي، والبنفسجي.
مساحات في الفن يصنف الأخضر من الألوان الباردة، وهو غير أساسي في الألوان، لأنه ناتج عن مزج الأزرق مع الأصفر، وتتحد درجاته بنسبة هذين اللونين إلى بعضهما، فإذا كانت كمية الأزرق غالبة يكون اللون أكثر قتامة، ويحدث العكس حين يغلب اللون الأصفر. وفي اللوحات القديمة استخدم الأخضر بكثرة، فلا تكاد لوحة تخلو منه، حتى لو رسم الفنان وجهاً لشخصية معروفة، أو متخيلة يأتي المشهد الخلفي بالأخضر أساسيا في اللوحة، والذي غالباً ما يكون منظراً طبيعياً، مثل:
لوحة «إليدا والبجعة» للفنان ليوناردو دافنشي، «عذراء الصخور». كما استخدمه الفنان مايكل أنجلو حين رسم على سقف كنيسة «سيستان» في الفاتيكان، في أكثر من منطقة مثل شجرة التفاح التي طردت آدم من الجنة. وعموماً فإن الاستخدام لهذا اللون متعدد، وقد يبدو أساسيا، فعندنا يستغني الفنان عن الطبيعة، قد يكسو به خلفية لوحته.
وقد استخدمه العرب في تلوين زخارفهم التي غطت جدران قصورهم ومساجدهم، وذلك منذ ازدهار الدولة الإسلامية، وكان قديماً يستخدم مضافاً إليه العديد من الألوان التي تساهم في جعله أكثر قتامة أو في حالاته العادية، ويقال إن الفنانين في ذلك الزمن، عمدوا إلى استخدامه في بعض الأحيان مع الأسود، في حين لجأ الفنانون في العصر الحديث إلى استخدام ألوان أخرى للحصول على المزيد من الدرجات، مثل البرتقالي أو البنفسجي.
وازدهر إحياء الأخضر مع لوحات الفنانين الانطباعيين، الذين رسموا من وحي الطبيعة ومن أهم ما فيها من إبداع الأخضر، حيث استمدوا من عناصرها الخضراء، إبداعهم، وهذا كلوحة الفنان مونيه «غذاء على العشب»، ويبدو أنه في لوحات «مونيه»، الذي استحضر الطبيعة بأكثر من مشهد، يكون الأخضر سيداً، أو ظاهراً في الطبيعة الصامتة حين يرسم الفنان آنية من الزهور،.
ولم يستغنٍ عنه فنانو المدارس الحديثة، مثل التكعيبة والتجريدية، وإن كان لا يرمز بشكل مباشر إلى الطبيعة، فقد ظهر في لوحات الفنان بيكاسو وغيره من رواد الفنون الحديثة، بمثابة لون مشبع بالجمال، يؤدي وظيفة تكميلية محورية لما استخدمه الفنان من ألوان أخرى في لوحاته عديدة متنوعة. وهو خيار مستمراً إذ ظهر في لوحات الخط العربي بدرجات مختلفة.
أسرار الأخضر
يقول علماء النفس إن تأثير اللون في الإنسان عميق جدا، وقد أجريت تجارب متعددة بينت أن اللون يؤثر في إقدام المرء أو إحجامه، وفي شعوره بالحرارة أو البرودة، وبالسرور أو الكآبة، لدرجة أن بعض المستشفيات باتت تستدعي الأخصائيين لاقتراح لون الجدار الذي يساعد على شفاء المرضى، وكذلك الأمر بالنسبة للملابس.
وبينت الأبحاث والتجارب، العديد من النتائج التي تتعلق بكل لون من الألوان، مثل أن اللون الأصفر يبعث النشاط في الجهاز العصبي، أما اللون الأرجواني فيميل بالأعصاب إلى الاستقرار، في حين يقود اللون الأزرق الإنسان للشعور بالبرودة، كما وصل العلماء إلى قرار قاطع بأن اللون الوحيد الذي يجلب السرور إلى النفس، والانتعاش في الفكر هو اللون الأخضر، الذي يتواجد في أكثر من مكان في الطبيعة.
كما يرتبط باستخدامات عدة، مثل أنه لون الدولار الأميركي، الذي يثير تساؤل البعض عن السبب في أن النقود الورقية منه، بجميع فئاتها، خضراء اللون، بدلاً من أن تكون متعددة الألوان، وأن يسود في كل فئة منها لون خاص يميزها عن غيرها.
أما تفسير ذلك فيعود إلى الوقت الذي استخدمت فيه الأوراق المالية في الولايات المتحدة بمنتصف القرن الماضي، وانتشر استعمالها بسرعة، ما أدى إلى تزييفها، ولأن آلات التصوير الأولى في ذلك الوقت، كانت تلتقط صوراً غير ملونة، أي باللون الأسود ودرجاته الرمادية فقط.
وعمد المزيفون لإزالة ألوان الأوراق من فئات المئة والخمسين والعشرين دولارا، تاركين اللون الأسود الذي تصعب إزالته، فيصورونه ويعملون منه لوحاً للطباعة «كليشة»، فيطبعون منه أوراقا مالية مزيفة باللون الأسود، ويضيفون لها الألوان بشكل يدوي، إذ كانت الطباعة الملونة بدائية في ذلك الوقت، ومن ثم اخترع أحد الطباعين، ويدعى تراسي إيدسون، حبراً لا يمكن غسله أو إزالته بأي صابون، وتصادف أن كان لونه أخضر، فتعاقدت الحكومة الأميركية لطباعة أوراقها المالية باللونين الأسود والأخضر، وأصبح هذا تقليدا مستمرا إلى اليوم.
أما لباس الأطباء للملابس الخضراء، فيتعلق بقصة تكشف عن سبب بعينه، وهو أن هذا اللون بالذات لا يظهر بقع الدم التي قد تقع على ملابس الطبيب أثناء العمليات الجراحية.
وفي التجارب الحديثة لاستخدام الألوان في علاج بعض الأمراض، اكتشفوا أن اللون الأخضر بالذات، يقتل الجراثيم والبكتريا، ويسكن الآلام، ويقاوم الإنهاك، والشعور بالتعب، فيشعر صاحبه بأريحية، وسعادة ويشفي من الأمراض الميكروبية.
وثبت أن الفراعنة اكتشفوا سر مقاومة الأخضر للبكتريا، ووضعوه في مقابرهم لحفظ المومياء من التحلل البكتيري. كما يتم استخدام اللون الأخضر في النظارات الليلية للحصول على صورة قوية، لأن العين البشرية قادرة على تمييز درجات الظل، أكثر من خلال هذه النظارات.
صديق الطفولة وراعيها
وبرهنت دراسة حديثة على أن تردد الأطفال على الحدائق والمنتزهات الخضراء، يحسن صحتهم الجسدية، ويقوي قدراتهم العقلية، وحذرت من عواقب إبقاء الأطفال في المنازل، حيث إن الأطفال الذين يعيشون في أحياء تحتوي على مساحات خضراء يكتسبون وزنا، خلال عامين، أقل بنحو 13% من أقرانهم الذين يعيشون في منطقة تخلو من الأشجار ويكثر بها البناء الإسمنتي.
ورغم أن الإكثار من تناول الأطعمة غير الصحية لعب دوراً رئيسياً في البدانة وسط الأميركيين، فإن معظم الخبراء يقرون بأن ذلك التغيير له صلة ما بالبيئة، وقد تكون الصلة هي انحسار المساحات الخضراء، إذ تشير الدراسة السابق ذكرها، إلى أن المساحات الخضراء تعني ببساطة أن يكون هناك أماكن للعب الأطفال، وهو أمر حيوي ومهم لصحة أجسادهم، وربما يكون هذا سبباً في ارتفاع أسعار البيوت المجاورة للحدائق الخضراء، أسوة بتلك المعزولة والمجاورة لأبنية إسمنتية أخرى.
عبير يونس
