كان ينتمي الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين إلى طبقة النبلاء الفرنسيين، وهي أعلى طبقة في ذلك الزمان الذي عاش فيه(القرنين 18 و19). ولذلك نشأ وترعرع في قصر «ميلي»، تحت إشراف أمه الحنون، التي لم تكن تطلب منه أكثر من أن يكون إنساناً حقيقياً وطيباً، طبقا لما يقول هو حرفياً.
وبعد أن أكمل دراساته في أحد المعاهد اليسوعية، راح يسافر إلى مختلف البلدان، لكي يروّح عن نفسه، كما يفعل معظم أبناء الأغنياء. وهكذا سافر إلى إيطاليا في عام (1811) وبقي فيها حتى عام 1814: أي حتى سقوط النظام الإمبراطوري في فرنسا بقيادة نابليون بونابرت وعودة الملك لويس الثامن عشر إلى الحكم. ثم انكب لامارتين على الاهتمام بالأدب والشعر، فنشر أولى مجموعاته الشعرية في العام 1820 تحت عنوان: «تأملات شعرية»، وكان في ال 31 من العمر، آنذاك.واللافت أن هذا الديوان(أول نتاجاته الإبداعية)، جعل منه، بين عشية وضحاها، شاعراً مشهوراً يشار إليه بالبنان. وبعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ اصدر لامارتين مجموعة شعرية ثانية تحت عنوان» تأملات شعرية جديدة». وأعقبها بعدئذ بعدة كتب، من بينها» موت سقراط»، «آخر أنشودة جحيم للطفل هارولد».
ابن الارستقراطية يثور عليها
بعد أن سافر لا مارتين إلى الشرق وتعرف عن كثب على مدينة القدس في زيارته لفلسطين تحديدا، حيث يوجد مهد المسيح ومقدسات المسيحية عديدة، عاد إلى أوروبا فأصبح موظفاً في السفارة الفرنسية بمدينة فلورنسا الايطالية.
ثم تزوج من فتاة إنجليزية بعد عدة قصص حب فاشلة، من بينها تلك القصة التي ألهمته قصيدة «البحيرةَ» الشهيرة، وهي من أشهر القصائد الرومانسية في الشعر الفرنسي، والتي ترجمت إلى العربية بترجمات متنوعة للعديد من الأدباء والمبدعين العرب، حيث يقول أحد مترجميها البارزين:»..
بعدئذ انخرط لامارتين في الحياة السياسية وأصبح نائباً في البرلمان. وقد سحر زملاءه بخطاباته الشاعرية الفياضة المليئة بالعواطف النبيلة تجاه الشعب الفقير. وكان لامارتين خطيباً في الدرجة الأولى».
نشر لامارتين بعد هذه القصيدة المميزة، عدة كتب مهمة، أبرزها:رحلة إلى الشرق (1835)، جوسلين (1836)، سقوط ملاك (1838)، خشوع شعري (1839)... الخ.
كما نشر كتاباً جميلاً عن تاريخ الثورة الفرنسية التي كانت لا تزال حديثة العهد. والغريب في الأمر أن لامارتين ذا الأصل النبيل والارستقراطي، أصبح من كبار مؤيدي الثورة الفرنسية التي أطاحت بطبقة النبلاء الارستقراطيين وامتيازاتهم الضخمة! وقد عارض بشدة الحكم الرجعي للملك لويس فيليب، وكان أحد قادة الثورة الشعبية الشهيرة عام 1848.
وبعدها أصبح عضواً في الحكومة المؤقتة لفرنسا، فوزيرا لخارجيتها، ولكن لفترة قصيرة. وكان من أهم الداعين إلى إلغاء قانون الرقّ أو العبودية الذي يقيد ويضطهد السود.
حاجة وضغوط
أدى وصول نابليون الثالث إلى سدة الحكم بفرنسا في عام 1852، عن طريق انقلاب عسكري، لوضع حد للحياة السياسية للامارتين. فبعد أن أصبح اليمين الرجعي الكاثوليكي في السلطة، لم يعد له محل أبدا.
وهكذا انطوى على نفسه وراح يكرِّس جل وقته للأدب والكتابة، ولكنه لم يواجه السلطة الديكتاتورية مباشرة، كما فعل فيكتور هيغ، و لأن ذلك كان سيؤدي به إلى القتل أو إلى السجن أو إلى النفي، ولذلك فضّل الصمت والمعارضة السرية غير الناشطة.
وقد عاش السنوات الأخيرة من حياته بشكل تعيس وحزين، فقد كان مضطراً للعمل ليل نهار لكي يستطيع أن يوفر سبل واحتياجات حياته اليومية الاعتيادية، وهذا بطبيعة الحال كونه ليس ثريا، وذلك لأنه لم يستغل مواقعه السلطوية لكي يغتني- كما فعل الكثيرون، وقد اشتكى في إحدى الرسائل إلى فيكتور هيغو بأنه يخشى أن يصادروا بيته ومكتبه والأثاث لأنه لا يستطيع أن يدفع الفواتير.
ثم اضطر تحت ضغط الحاجة الماسة إلى قبول هبة من الدولة عام 1867، وقد عاب عليه المثقفون «اليساريون» ذلك واتهموه بالتواطؤ مع الديكتاتور المستبد نابليون الثالث، ولكن هل كان أمامه خيار آخر؟ وهل يريدون له أن يموت في الشارع، وهو أحد أشهر شخصيات فرنسا في ذلك الوقت؟
رحالة في عوالم المشرق العربي
مهما يكن من أمر، فإنه مات مغموماً ومهموماً بعد ذلك بسنتين فقط، ورفضت عائلته تنظيم جنازة وطنية له، خوفاً من أن تستغلها السلطة لمصلحتها. فعليا هذه هي أبرز الخطوط العريضة في حياة ومعاناة لامارتين. ولكن ماذا عن أعماله ومنجزاته الشعرية والفكرية؟
يمكن القول إن مجموعة لا مارتين الشعرية الأولى: «تأملات شعرية»، دشّنت مرحلة الشعر الرومانطيقي (الرومانسي) في فرنسا، وأغلقت المرحلة الكلاسيكية، فقد بدت وكأنها صادرة عن الأعماق: أعماق القلب الحساس. وفي عام 1832 قام هذا الشاعر العظيم برحلة إلى المشرق العربي، وقد دوّن مذكرات الرحلة ويومياتها في كتابه الشهير (رحلة إلى الشرق)، ويعد هذا الكتاب من أهم كتب الرحلات الاستشراقية العالمية.
وصل الشاعر الفرنسي الشهير لا مارتين إلى بلاد الشام في السادس من أيلول من عام 1832، وذلك في أول زيارة للشرق، وحط رحاله في بيروت، وكان برفقته زوجته وابنته جوليا وطبيبه الخاص.
ويقول لامارتين في مذكراته شارحا تاريخ هذه المدينة: (بيروت من المدن السوريّة الآهلة بالسكان، وقد عرفت عند الأقدمين باسم (بيريت)، وأصبحت على عهد أغسطس مستعمرة رومانيّة، وأطلق عليها الفاتح الروماني اسم جوليا فيلكس (السعيدة)، وقد مُيزت بهذه الصفة لخصب ضواحيها وفخامة موقعها وجمال جوها).
في دمشق وحلب والقدس
لم يكتف لا مارتين بهذه المحطة(بيروت)، فزار أغلب حواضر الشام، وكانت دمشق وحلب والقدس محطات رئيسية في رحلته، وكتب ذكريات وانطباعات عن دمشق التي زارها في شهر نيسان 1833، وقدم وصفاً رائعاً لهذه المدينة الخالدة التي سحرت فؤاده وحركت شاعريته، فكتب عن حياة مدينة مفعمة بالتأمل والجمال والفلسفة والحيوية والإشراق.
وفي حديثه عن دمشق وأهلها وعاداتها يبدي لامارتين إعجابه بكياسة أهل دمشق وكرمهم والانسجام بين الناس، ويقول لامارتين بهذا الشأن: (ليس هناك مكان في الأرض يشبه جنة عدن كما تشبهها دمشق، سهلها الواسع الخصيب، التفرعات السبعة للنهر الأزرق الذي يرويها، الجبال الجليلة التي تكللها، البحيرات الباهرة حيث تنعكس السماء على صفحتها.
موقعها الجغرافي، اعتدال المناخ، كل شيء يشير إلى أن دمشق كانت إحدى أولى المدن التي بناها أبناء البشر). ويقول عن تاريخ دمشق:» إنها إحدى أوائل المدن التي سكنها البشر، ومكان قيلولة طبيعية للإنسانية التائهة في الأزمنة الأولى، تلك المدينة التي كتب الله بإصبعه على الأرض، عاصمة لها قيمتها مثل القسطنطينية، إنهما المدينتان الوحيدتان اللتان ما وضعتا على خريطة الإمبراطورية بصورة كيفية، بل دل عليهما بصورة لا تقاوم شكل الأمكنة».
ويصف لامارتين مدينة دمشق التي وصل إليها مع القافلة فيقول: (تقدمت وحدقت بنظري من خلال فجوة في الصخرة إلى أروع وأغرب أفق لم يدهش مثله نظر إنسان من قبل. إنها دمشق وصحراؤها التي لا حد لها».
وقد وصفها (دمشق)عبر عكس خلاف لمشهدية سحر هذه المدينة بالنسبة إليه، فوصف المدينة التي تحيط بها أسوار الرخام الأصفر والأسود، وتحصنها أبراج مربعة لا تحصى وتسيطر على المدينة غابة من المآذن المختلفة الأشكال وتخترقها فروع نهرها السبعة والسواقي التي لا تعد. مبينا أنها كانت ممتدة مدى البصر في متاهة بساتين مزهرة. ويقطنها أربعمئة ألف من السكان، ويحار فيها البصر فلا يترك فتنة إلا يجد فتنة أخرى.
زار لامارتين حلب، فذهل بجمالها وتقدمها، و هي حسب نظرته تمثل أثينا قارة آسيا. وقد كانت مطرانية السريان الأرثوذكس في حلب أقامت معرض الفونس دو لامارتين ورحلته إلى الشرق، والذي تضمن الطبعات الأصلية الأولى من كتاب لامارتين وديوانه الشعري «السفر إلى الشرق»، وبداخلها رسومه وانطباعاته الفنية المختلفة عن الأماكن التي زارها، وكتب عنها قصائد شعرية، وأفكاراً فلسفية مختلفة.
وكان كتاب (رحلة إلى الشرق 1832-1833) قد صدر مؤخرا، للباحثين، السوري حسين عصمت المدرس، والفرنسي أوليفيه سالمون، وذلك عن دار (أليبو أرت) في حلب.
وعني الكتاب بتحقيق ودراسة وتبويب هذا الديوان الشعري الكبير والتعليق عليه، وذلك مع رسوم قديمة مطبوعة حجريًّا، تصور المدن التي زارها لامارتين في الشرق، خاصة في سوريا ولبنان وفلسطين وتركيا العثمانية، والمأخوذة من طبعات ديوانه الأول في القرن 19.
بالإضافة إلى بطاقات بريدية قديمة عن الأمكنة التي عاش فيها الشاعر، والتي تخدم فكرة الكتاب ليبلغ عددها 92 رسما وبطاقة بريدية بالأبيض والأسود، وليتحول هذا الديوان بذلك، من كتاب شعري إلى موسوعة وثائقية.
رباب محمد