حينما تضيق مساحات التأمل يضيف أفق الرؤى، والقسوة لا تولد إبداعاً مسترخياً وفضفاضاً ولا يجد الإنسان نفسه أمام حياة قاسية إلا مدافعاً عن طبيعته، منهكاً في هذا الدفاع المستميت، فتضيق المساحات ويصبح الانكفاء على الذات هو الخلاص الوحيد.
الملحن الإماراتي إبراهيم جمعة واحد من الذين مازالوا يتحدثون في الموروث الموسيقي والفولكلور الغنائي المحلي والخليجي، ولا زال ينصب خيمة المقاربات من أجل الوصول إلى محصلات لها علاقة بالخصوصية المحلية والهوية المتعلقة بالغناء المحلي .حينما سألت الملحن إبراهيم جمعة عن الفوارق التي تفصل بين غناء بحارتنا على أسطح السفن في غربتهم البحرية، والبحارة الآخرين في بحر الخليج، رد سريعاً بأن الأمر يعود إلى أسلوب الحياة القاسية التي عاشها بحارة «اللؤلؤ» الإماراتيون في السفن القابعة في عرض البحر، والبعيدة كل البعد عن شواطئها ومرافئها «غوصنا كان أكثر قسوة من غوص البحارة الخليجيين في الكويت والبحرين وقطر، ففي سفننا البحرية لا يجد البحار متسعاً من الوقت للاسترخاء .
ولا لجلب المزيد من آلات العزف والإيقاع، في سفننا هناك وجبة رئيسية واحدة يتناولها البحارة قبل حلول الظلام، هذه الوجبة وبعد جوع، كافية للقضاء على ليل البحارة، وبالتالي القضاء على فرصة اقتناص لحظات سمر.. غناؤنا جاف». هكذا بدت لي خلاصة ما أراد قوله الملحن إبراهيم جمعة، الذي يعد من المخضرمين، سواء لمعاصرته جيلين (اختلافاً في الحياة والثقافة)، أو لمعاصرته تحولين كبيرين في السياق الاجتماعي والاقتصادي لمجتمع وجد نفسه يقفز قفزات كنغرية بتأثير طفرة النفط. «تكات ودمات» عاصر إبراهيم جمعة زمن الغوص على اللؤلؤ، وارتحل مع السفن في عرض البحر وتربت أذنه الموسيقية على إيقاع الكفوف التي خشبها العمل المضني والشاق، والأقدام التي توقع إيقاعاتها بالضرب على سطح السفينة، حيث تتحول السفينة الخشبية في تلك اللحظات بلؤلئها وما تحمله في بطنها، إلى طبل كبير يعوم على سطح الماء.
يدق البحارة بأرجلهم المتعبة «تكات ودمات»، كما يفعل «الإسبان» في رقصهم الشعبي لكي ينتجوا موسيقى تهز أبدانهم وتنفض عنها التعب، وكأنهم أيضاً يزرعون بهذا الدوس الموقع، أشواك تعبهم في سطحها الخشبي القاسي الذي سيستقبل أجسادهم المتهالكة بالرطوبة كنوع من العقاب أو الانتقام، إنهم سيستمرون في ضربها بأقدامهم لكي تصدر صوتاً إيقاعياً يطربهم، فيخدر خلاياهم فلا تشعر بالتعب، يردون التعب إلى سفينتهم لكنهم في الوقت نفسه، سينتجون غناء يأخذهم إلى واقع آخر، يغيبهم عن الوجود الحالي وينقلهم، عبر التذكر والذكرى وعبر أبيات من قصيدة ورثوها، إلى حبيباتهم المنتظرات عند الشواطئ.
إن المعايشات التي أكسبت إبراهيم جمعة خبرة علمية وعملية في مجال الفلكلور الشعبي بصفة عامة، والبحري بصفة خاصة، جعلته شاهدا ورائياً يمتلك قدراً وافراً من القدرة على التوصيف والمقارنة.. يقول: «رؤوس بحارتنا صلبة، وعملوا في ظل ظروف قاسية لهذا لم تتسن لهم فرص مناسبة لممارسة الطرب والتطريب، لم يكن عندهم هوس». الهوس هنا مفردة محلية إماراتية تقابل مفردة «مزاج».
ويضيف: «أما لماذا يكون باقي الغناء البحري الخليجي أكثر غنى وتنوعاً، فلأن الغوص عندهم أسهل نوعاً ما، وأعني الظروف التي تتوفر على سطح السفينة، فالبحار أو الغواص هناك، يحصل على وجباته الثلاث، كما يبدو أنهم استمروا في ممارسة الغوص على اللؤلؤ في جو يسوده شيء من المرح والفرح، لهذا وجدوا وقتاً لتنويع الغناء البحري وتوظيف المزيد من الإيقاعات، فتوفرت لهم مساحات مناسبة للزخرفة الموسيقية».
ولكن ما الاختلاف؟ يجيب إبراهيم جمعة: «في «الفجري» و«السنجني» و«المخالف» و«الدواري» و«الحدادي» و«الحدادي الحساوي»، كلها إيقاعات اشتهر بها البحارة الكويتيون والبحرينيون، ومن بعدهم القطريون، فهذه الإيقاعات انتشرت في عموم الخليج تقريباً ما عدا الإمارات، صحيح أننا نلتقي في ملامح عامة للغناء البحري، ومن ضمنها «النهمة».
وهي عبارة عن موال «صولو» مفرد يقوم به فرد أو فردان يمتلكان طبقات صوتية معينة، إلا أن البحارة الإماراتيون لم يجدوا مجالاً لاستقبال تلك الإيقاعات، فقد كانت قسوة الأسلوب المهني الذي يمارسون فيه بحثهم عن الرزق في عرض البحر والبيئة الاجتماعية، التي كانوا يعيشونها، تطردهم من فضاءات الاسترخاء».
ألوان وأنواع
يشير إبراهيم جمعة إلى أن تجزئة الحديث عن الفولكلور البحري الخليجي، اعتمادا على تفاصيل الاختلاف، سيكون مربكاً، فالثقافة الموسيقية البحرية في منطقة الخليج لا يمكن تأريخها إلا على أنها كل واحد وليست هناك محطات، إذ تناقلت المجتمعات البحرية في كل منطقة وتوارثت الأساليب كلها، والاختلاف كان بسيطاً، حيث كانت سواحل دارين والقطيف، أو الساحل الشرقي الشمالي في الخليج، يتمازج فيها الغناء البحري باختلافاته وتنويعاته.
وقد ساد الارتجال في هذا النوع من الغناء نتيجة حالة الظروف الارتجالية التي يواجهها مجتمع البحارة في عرض البحر، فكثير من الأبيات الشعرية الغنائية كانت تأتي من نافذة الارتجال وكذلك الرقص التعبيري، ومع مرور الوقت، ومع الإضافات الفردية والتجليات التي تصدرها حماسة البحارة، تترسخ الألوان والأنواع، فعند البحارة الإماراتيون مثلاً هناك غناء يتعلق بعملية التجديف.
ومنه نوعان، ففي حالة ممارسة هذا الفعل في حالة هدوء البحر تسير الأمور بسلاسة وتكون المهمة سهلة، ولأن حركة السفينة ستكون مستقرة وثابتة وتسير في اتجاه واحد نتيجة دفع المجاديف، فإن البحارة سيقومون بهذه العملية وهم وقوف، هذه الوضعية المسترخية والمريحة ستدفعهم إلى نوع مسترسل من المواويل والغناء والارتجال أيضاً، فيرددون مثلاً «هايلمال»، لكنهم حينما يضطرون إلى مواجهة رياح عاصفة مثل «ريح الشمال»، فسيمارسون عملية التجديف في ظروف صعبة تجعلهم جلوساً يقاومون بمجاديفهم الموج العالي والرياح التي تهب من كل صوب، فتجعل السفينة مترنحة وكقشة تسلم أمرها للترنح والتمايل.
والغناء جلوساً سوف يستدعي إيقاعاً مختلفاً وارتجالات مختلفة، وغناء يقترب من الابتهالات يتضمن الدعاء للخالق، ليتمنوا المرور من هذه المحنة. فالظروف هي التي تفرض الارتجالات الغنائية وأساليبها.
مراحل غنائية
يحدد البحارة نقاطاً مهمة تدفعهم إلى مقاومة التعب بالغناء والإيقاعات في مراحل رحلة الغوص المختلفة، بدءاً من رفع المرساة ثم مرحلة التجديف، ثم رفع الشراع، ثم الإبحار، وعند الوصول إلى مكان الغوص على اللؤلؤ سوف يعودون لممارسة الفعل المعاكس، إنزال الأشرعة، رفع المجاديف، إلقاء المرساة، وفي كل هذه الأفعال، عمل شاق يتطلب المقاومة عبر التسلية والغناء الذي تتخلله أبيات شعرية في دعاء للخالق بتسهيل مهماتهم.
ولأن البحارة سيمارسون هذه الأفعال طيلة رحلة الغوص التي تمتد ما بين ستين يوماً إلى تسعين، فإن الاعتماد على الغناء سوف يدفع أرواحهم إلى إطلاق المزيد من الطاقة في الأجساد المتهالكة. تصفيق ودق بالأرجل على سطح السفينة، وأداءات صوتية فردية وجماعية.
توقيعات زخرفية
تسجل الدراسات والأبحاث والتوثيقات التي قام بها بعض المهتمين بجمع التراث الفولكلوري الغنائي البحري الخليجي، سلسلة من التعريفات لهذه المراحل الشاقة في العمل، والتي ربطها البحارة بأنواع معينة من الغناء.
رفع الأشرعة يسميه أهل الخليج «الخطفة»، وهي تنقسم إلى أقسام بحسب نوعية الأشرعة، التي سيرفعها البحارة وبحسب ما تتطلبه سرعة الرياح، ومنها «خطفة العود» و«خطفة البومية» و«خطفة الشومندي» وهو الشراع الأصغر.
ويقوم البحارة بالضرب على الإيقاعات، واستخدام كفوفهم لإصدار توقيعات زخرفية، كما يؤدون بأجسادهم بعض الحركات التعبيرية كهز الأكتاف والإيماء بالأذرع والضرب بالأقدام. وفي فترة الاسترخاء والراحلة يعتمد البحارة وهم جلوس على الغناء الذي يطلقون عليه «الحدادي»، وهو ينقسم إلى أنواع: الحدادي، الفجري، السنجني، الحدادي الحجازي أو الحساوي. ولا تختلف هذه الأنواع عن بعضها إلا بإضافات بسيطة.
هناك غناء آل «دواري»، وهو النوع الذي يقوم به البحارة عند رفع المرساة الثقيلة من البحر، حيث يصطفون في صفين متقابلين لجر الحبل الطويل وسحبه من الماء، وهذا يأخذ وقتاً من الزمن وفيه شيء من التعب يتجاوزه البحارة بنوع من الغناء يرتبط إيقاعه بإيقاع عملية السحب وسرعتها.
لكن أداءهم سيختلف في حال كان الموج مرتفعاً والسفينة غير مستقرة، فهذا سيدعوهم إلى ممارسة الفعل نفسه وهم جلوس، وهنا سيختلف الغناء أيضاً وسيطلقون عليه «جلاسي»، أي الأداء جلوساً.
التقط البحاثة الذين كرسوا جهداً لجمع الفلكلور الغنائي البحري لأهل الخليج، حينما كانوا يمارسون مهنة الغوص على اللؤلؤ، هذه التفاصيل، ومهدوا لاختلافات بينها بحسب الإيقاع المستخدم والآلات وأساليب الأداء، ووجدوا أنها تتقارب من بعضها البعض، رغم اختلافات بسيطة ناتجة عن تباينات في الثقافة الموسيقية بين بيئة خليجية وأخرى.
لهذا نجد إصرار الملحن المخضرم إبراهيم جمعة على التعامل مع التراث الغنائي البحري في منطقة الخليج على أن يكون كلاً متكاملاً بالنسبة لأغلب مناطق الخليج، ويفرد عنه الفولكلور الغنائي الإماراتي باعتباره لم يشتمل على ذلك التنوع الكبير الذي اشتمل عليه في حالة الكويت والبحرين وقطر، وهذه التفصيلة الصغيرة، رغم أنها توحي بفقر الغناء البحري الإماراتي في إطار التنوع، إلا أنها حقيقة علمية تحسب للملحن جمعة باعتباره يتعامل مع الأمر في الإطار العلمي..
وهذا الإفراد لا ينقص من الفولكلور البحري الإماراتي، بقدر ما يحدد هويته وخصوصيته، بناء على حالة الفضاء الاجتماعي التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
مرعي الحليان