يمثل محمد شكري جميل، وعبر تجربة سينمائية امتدت لأكثر من نصف قرن، مخرج العراق السينمائي الأول. امتدحه روسوليني في الظامئون: «كنت أرى قصيدة سينمائية جميلة». وأشاد به ديفيد لين:
«(جميل) يمتلك حسا سينمائيا عاليا». ليست هذه الأوصاف والإشادات من فراغ طبعا فهو كان في بداياته، ولم يزل، يحمل هما يؤرقه ويقلقه على مستقبل السينما العراقية والعربية، ومن أهم الأفلام التي أخرجها جميل هي ما سميت بالبدايات الثلاث، ف«الظامئون» هو البداية الجادة للسينما العراقية. و«الأسوار» يجسد البداية الحقيقية في صناعة سينما عراقية، أما «المسألة الكبرى» فهو بحق بداية انطلاقة السينما العراقية نحو العالمية.يعد محمد شكري جميل احد أهم القامات السينمائية التي أسهمت في رسم ملامح سينما عراقية جادة، إذ إن السيرة الفنية والذاتية لهذا المخرج السينمائي العراقي مليئة بالمنجزات الفنية والمتغيرات والتقلبات.
ويبدأ ذلك من تاريخ مولده الذي لم تتفق عليه المصادر، حيث ولد في بغداد في 1 / 7 / 1935، بخلاف ما نشر في الصحافة العراقية والعربية والأجنبية عن تاريخ ولادته، التي أشار بعضها إلى مولده في عام 1938 أو 1939 أو 1934. بدأ تجربته عام 1953 إذ زاول عمله في وحدة الأفلام الوثائقية التابعة لشركة نفط العراق، والبداية أولا مساعد مصور تحت التدريب، ومع شركة ـ فيلم سنتر ـ، كان أول عمل له، وهو فيلم تسجيلي بعنوان «حريق في قطر»، مع المصور بيتر كيلي، وبعدها عمل في فيلم «الفيضان» كمساعد مخرج ومونتير، والذي كتب له التعليق الأديب الراحل جبرا إبراهيم جبرا.
وفي العام 1954 عمل في فيلم « نحن والعالم» لشركة «فيلم سنتر» للمخرج مايكل كلارك، وفي العام 1955 عمل مساعد مخرج في فيلم «التراث الحي»، وكتب التعليق جبرا إبراهيم جبرا، ومن إخراج وليم نوفيك، لشركة «فيلم سنتر»، واستدعي من شركة فيلم سنتر لإخراج فيلم وثائقي عن حياة طالب عراقي في لندن في العام 1957.
وبعد ثورة تموز 1958، ترك العمل في شركة نفط العراق بسبب الأوضاع السياسية آنذاك، وفي العام 1959 رجع إلى لندن وقرر أن يبقى مستمرا في العمل في غرفة المونتاج ثلاث سنوات، وعمل هناك في استوديوهات «أنفيل وباينوود»، وخلال وجوده هناك عمل في فيلم «عين الثعلب في الصحراء» للمخرج أنتوني اسكويث.
تحول
وبعد ذلك بدأت مرحلة جديدة من التحول في مسيرة المخرج إذ أنه وتحديدا في العام، فأصبح المخرج صاحب البدايات الثلاث، وفي العام 1961 استدعي للعمل في بغداد ورجع إلى العراق وعمل مع مصلحة السينما والمسرح مخرجا ورئيسا لشعبة المونتاج.
ومع مطلع 1962 أخرج فيلماً روائيا بعنوان «أبو هيله»، المعد عن مسرحية « تؤمر بيك»، كتب السيناريو يوسف العاني، وهذا كان أول اختبار حقيقي لمحمد شكري جميل، كمخرج يقود فريقا سينمائيا، وكانت تجربة متواضعة وصفتها ردود الأفعال بالفاشلة على الصعيد الفني.
أما في العام 1964 فرحل إلى القاهرة وعمل مع الشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي، وفي حينها كان رئيس مجلس الإدارة المخرج السينمائي المصري صلاح أبو سيف، وأخرج هناك محمد شكري، فيلما وثائقيا يتحدث عن واقع المرأة المصرية، بعنوان «صورة عائلة»، كما أخرج فيلما وثائقيا عن بينالي الإسكندرية «النحات مختار».
وفي العام 1967 أستدعي إلى العراق وعمل مع دائرة السينما والمسرح، وأخرج فيلما روائيا غنائيا، هو عبارة عن من مجموعة أغان لمطربي مصر، ومنهم عبد الحليم حافظ، بعنوان «شايف خير»، الذي وضع له السيناريو عن قصة لجميل الجبوري، ولم يلق هذا الفيلم نجاحا. وفي عام 1971 أخرج فيلما وثائقيا لوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي بعنوان «حنين الأرض»، عرض في مهرجان «كراكوف» .
وحاز على جائزة اليونسكو الذهبية «تمثال أوزوريس»، كما عمل مساعدا في فيلم الرعب» التعويذة» من إخراج وليم فريد كين عام 1973، والذي صور في مدينة الموصل شمالي العراق، وفي انعطافة وصفها الكثير بالمهمة للسينما العراقية والتحول الواضح في مسيرة جميل، في عام 1971 ـ 1972، كانت « البداية الأولى»، إذ وصفها الكثير بالبداية الحقيقية للسينما العراقية، وذلك بأعمال سينمائية هامة وذات لغة سينمائية ترسم ملامح للسينما العراقية التي تعطي أملا وتفاؤلا حقيقيا، حين أخرج فيلما روائيا بعنوان «الظامئون»، وقصة هذا الفيلم مأخوذة عن رواية للكاتب الروائي العراقي عبد الرزاق المطلبي.
و قد حاز هذا الفيلم في العام 1973 على جائزة إتحاد السينمائيين من مهرجان موسكو السوفيتي الدولي الثامن، وفي العام 1978 ـ 1979 كانت البداية الثانية حين أخرج محمد شكري جميل، فيلما روائيا حاز على رضا النقاد والمهتمين وأطلقوا عليه ،البداية الجادة للسينما العراقية ـ، وكان بعنوان «الأسوار» المأخوذ عن رواية «القمر والأسوار»، للأديب عبد الرحمن مجيد الربيعي، الذي حاز بدوره على الجائزة الذهبية في مهرجان دمشق السينمائي الأول ؟
السيف الذهبي ـ، وفي الظامئون استوفى جميل اقتداره كمخرج سينمائي، وصنع فيلما عن الأحداث التي مرت في العراق في مرحلة الخمسينيات، ووجد ضالته في سيناريو صبري موسى. أما في العام 1980 ـ 1981 فأخرج فيلما يعد ـ بحسب رأي معظم النقاد ـ فيلما عالميا، وكانت البداية الثالثة ووصفت بالخطوة الأولى للسينما العراقية نحو العالمية.
وتدور أحداث الفيلم عن احتلال العراق مابين فترة 1917 - 1920، من قبل بريطانيا العظمى، وكان هذا الفيلم بعنوان «المسألة الكبرى»، وبطولة غازي التكريتي وسامي قفطان وفاطمة الربيعي، ومن الانكليز:
أوليفر ريد وهيلين راين، بالاشتراك مع 31 ممثلا عراقيا وبريطانيا آخرين، وخلال مشاركاته حاز الفيلم على جائزة أفضل فيلم في مهرجان لندن السينمائي في عام 1984. وقام جميل من العام 1992 وحتى العام 1997، بإخراج مسلسلات تلفزيونية متنوعة.
التغيير همه الدائم
يرى جميل أن الدور الذي تضطلع به السينما اجتماعيا يتجسد في أن وظيفة السينما والدور الذي تضطلع به في المجتمع، تفهم من خلال فهمنا
لوظيفة الفن عموما، فالفن ضروري وحتمي للإنسان حتى يتمكن من فهم ما يدور ويحدث من حوله، ويعمل على تغييره نحو الأفضل، ومن هنا يتحدد الدور الوظيفي الاجتماعي للسينما، فهي أداة مؤثرة ومهمة وفاعلة في عملية التغيير بلا شك.
وهو يؤمن بأن العولمة كان لها التأثير الكبير في تحطيم بعض القيم الاجتماعية، وأن عصر الإلكترون حطم القيم الإنسانية، وهذا ما جعله يبحث ويستمر في ذلك عندما يخرج عملا للسينما، فضلا عن كونه ينتمي بالدرجة الأولى إلى مدرسة السينما الوثائقية.
وهذا ما دفعه لأن يكون دائما في ميدان الصراع، فالمعايشة يجب أن تكون دائما في ضمير الفنان ووجدانه، ومن هنا نؤشر أن العمل السينمائي من وجهة نظر المخرج جميل، يشترط فيه أن يكون مرتبطا بنبض الميدان، بغرض المشاركة الحقيقية الصادقة.
رؤيته الفنية
بعد تجربة امتدت إلى أكثر من نصف قرن من العمل في السينما، وخبرة في كل مفاصل الإنتاج السينمائي، نرى من الأهمية بمكان التعرف على الرؤية الفنية لهذا المخرج، والذي يرى أن الرؤية الفنية والخبرة توأمان لا تنفصل إحداهن عن الأخرى، إذ لا رؤية دون أن تنضج التجربة، والتجربة أساس الخبرة...
شرط المصداقية
يختار المخرج جميل موضوعاته التي يقوم بإخراجها للسينما، تبعا لضوابط وشروط يجب توافرها في النص، بمعنى شروط صلاحية النص للسينما، فليست النصوص كلها صالحة، وما يصلح يدقق فيه كثيراً قبل أن يقع اختياره عليها، ويختار موضوعاته من الواقع بشكل يضيف إليه المصداقية المطلوبة، من أجل إحداث عملية التغيير التي تنشدها السينما وتسهم فيها، فإن موضوعاته يجب أن تكون مدروسة دراسة اجتماعية بعدة أوجه، قبل كل شيء، ويتم البحث فيها وتفسير ما تحمله شخوص العمل في سلوكياتها من دلالات.
وهذا ما عكسه المخرج محمد شكري جميل من خلال تطور الفعل لدى شخوص أعماله ومسيرتها في داخل أحداث الفيلم وما حملته من قيم اجتماعية وأخلاقية، وطنية، ودينية مختلفة، ونشير هنا إلى أنه من خلال مراجعة سريعة لموضوعات الأفلام الروائية والوثائقية والتسجيلية، وحتى تلك المسلسلات التلفزيونية التي أضطلع بإخراجها، نجد أن مضامين تلك الأعمال مليئة بتلك القيم.
علاء مكي الشمري
