امرأة ليست كالنساء اللواتي يندبن حظوظهن، بل انكبت على الاغتذاء من منهل الأدب والفكر لجعلهما، بالاقتران مع الإرادة الصلبة، زاداً وقاعدة يكفلان الوصول إلى ما ترنو إليه.

إذ تمخض ذلك عن نجاح لافت حققته عائشة الدباغ، وأصبحت معه علماً من اعلام حلب الشهباء: أديبة وباحثة وشاعرة ومؤرخة وسياسية بارزة، مستفيدة من مخزون ثقافتها الثرة وقدراتها المتنوعة، علاوة على كونها تتقن ثلاث لغات (الإنكليزية والفرنسية، إلى جانب العربية). إنها بحق قصة نجاح نوعية بطلتها مبدعة آمنت بقيمة القلم والكلمة، فولجت معهما مختلف عوالم الرفعة والتميز في شتى مجالات الفكر والأدب والسياسة. إن جلسة الحوار مع الدباغ هي بمثابة كشف أدبي وفكري وإبداعي قيمي راق لا يضاهى، فدفاتر يومياتها ومعالم ومحطات مشوار ريادتها، تمثل فعليا معينا غنيا لا ينضب، كونه ينضح بأميز مكونات مفردات خبراتها وتجاربها في الحياة العامة، والتي تتجسد كركائز اقتداء ونموذج فريد.

ما الصعوبات التي اعترضت مسيرة حياتك الدراسية؟ وكيف تغلبت عليها؟

عندما أنهيت مرحلة التعليم الابتدائي في حلب كانت أختي الكبرى قد تخرجت في الجامعة السورية في دمشق وتحمل إجازة في القبالة والتمريض، وشاءت الدولة أن توزع هؤلاء القابلات على الريف، فانتقلت العائلة المؤلفة من أم وابنتين إحداهما أنا، إلى جرابلس التي لا يوجد فيها آنذاك، أية بنية تحتية حياتية جيدة ولا مدرسة إعدادية، فاضطررت لأن أذهب إلى دمشق لأكمل تعليمي، وذلك لوجود المدرسة الداخلية الوحيدة فيها.

وكانت المعاناة النفسية أكبر بسبب بعدي عن عائلتي وأنا مازلت طفلة بحاجة للرعاية والحنان من الأسرة، ولكن من طلب العلا سهر الليالي، هذا كان شعاري. وأيضاً عانيت من بعد المسافة بين جرابلس ودمشق، فمدة السفر طويلة جداً، حيث كان يستغرق الطريق من جرابلس إلى دمشق أكثر من سبع عشرة ساعة في القطار.

زواج الثقافة والدراسة

كيف كانت بدايات تبحرك وتعمقك في عوالم الأدب والشعر والفكر بموازاة حرصك على إتمام المراحل اللاحقة في دراستك؟

مؤكد أنه اقترنت هذه المرحلة بعمق إدراكي لقيمة ودور الأدب والفكر، وانكبابي على توسيع مستوى ونوعيات قراءاتي الشعرية والأدبية عموما. وهذا جنبا إلى جنب مع متابعتي لمشواري العلمي الدراسي.

فبعد أن أنهيت دراستي الثانوية ذهبت إلى بيروت في بعثة للجامعة الأميركية لمدة أربع سنوات، وكان التعليم فيها باللغة الإنكليزية، وكانت الدراسة شاقة جداً وكذلك الامتحان أما المصادر والمراجع فقد كانت بالعربية والفرنسية والإنكليزية.

وكانت هذه المصادر والمراجع متوفرة في مكتبة الجامعة بشكل كبير ولا نحتاج إلا للبحث والقراءة. وهنا ازداد تعلقي باللغة العربية ووعي لقيمتها ودورها الفكري، لكن ذلك لم يعن إغفال ضرورة الاعتناء باللغات الأخرى، كما استفدت من حيثية أن نجاحنا في الامتحان كان يعتمد على مطالعاتنا الخارجية للأبحاث التي يزودنا بها المدرسون.

وكان المحيط التعليمي في الجامعة يزوّد الطالب بكل ما يلزمه للمستقبل ويعدّه إعداداً جيداً ليكون عضواً نافعاً في المجتمع. أما النظام الدراسي فقد كان جيدا جداً بحيث أن ثلاثة انقطاعات في الفصل الواحد تحرم الطالب من دخول الامتحان، وكان نبيه فارس يرفض أن نقدم في ورقة الإجابة ما كان يعطينا إياه في المحاضرات، وكانت كل الجامعة تعمل بهذا القانون.

بدايات مشروع أديبة وسياسية

اللافت أن معالم بروزك وعطائك في مجالات الفكر والتنوير الثقافي والسياسي ظهرت جليا منذ تلك المرحلة، وكان لهذا قصة التصقت بما سمي بالركن الخاص في الجامعة. ماذا تحدثينا حول هذا؟

نعم كان لي في الجامعة ركن خاص أمارس فيه مع الزملاء العرب، نشاطنا الطلابي، حيث أصدرنا مجلة «العروة الوثقى»، وكنا نكتب فيها آراءنا، وكنت أتولى فيها تحرير القسم الاجتماعي، وكانت الأبحاث تأتيني باللغة الإنكليزية فأقوم بترجمتها للعربية ومن ثم أنشرها، أو باللغة العربية فأصححها وأنشرها، وكانت المجلة اللسان الناطق باسم الطلاب العرب.

كما كنا نمارس نشاطات أخرى، مثل الرياضة والرحلات وإقامة الندوات الفكرية والعلمية، وخاصة عندما تزور البلد شخصيات ثقافية وعلمية وأخرى مرموقة ومهمة تقدم لتحاضر عندنا. ولاحقا، باقتراح من د. نقولا زيادة، وطبقا لميولي، كان عنوان رسالة الماجستير الخاصة بي (الحركة الفكرية في حلب في النصف الثاني من القرن العشرين).

مبرزة في الفكر والسياسة

ما الذي باشرته في مستوى وماهيات ترجمة رؤاك الفكرية والعلمية حال عودتك إلى الوطن، بعد أن أنهيت دراستك؟ وما الرؤى التي اقتديت بها حتى نجحت في دخول البرلمان السوري، كأول امراة؟

لا شك أنني كنت احمل في جعبتي الكثير من التصورات والمشاريع الثقافية والعلمية، التي تخدم إذكاء مسيرة النهضة المجتمعية العامة، والارتقاء بالفكر والثقافة. وهكذا بعد العودة إلى الوطن، استثمرت ما توليته من مسؤوليات في سبيل ترجمة الرؤى الفكرية العصرية.

وقد عيّنت فور العودة، مديرة مدرسة التجهيز بادلب، وهي أول مدرسة إعدادية تحدث في تلك المحافظة، حيث طُلب مني تأسيسها والعمل فيها ولم يكن يوجد أساتذة متخصصون إطلاقاً، فكنت أكلف الصيدلي بتدريس ساعات الفيزياء والكيمياء، والطبيب بتدريس الرياضيات، وذلك ريثما يتوفر لدينا أساتذة. وطبعا إلى جانب تركيزي على توفير أرضيات مبدئية لترسيخ التوجهات الثقافية الفكرية المميزة.

وهكذا فإنني اقتديت برؤى التنوير في مشوار عملي وممارساتي وعطاءاتي، والعمل على نهضة المرأة في المجتمع، وقررت أن أخوض مجال الحياة السياسية، متسلحة بالفكر والثقافة ورؤى التنوير والإيمان العميق بالقدرات المميزة التي تحوزها المرأة لدينا، إلى أن تمخض ذلك عن نجاحي في دخول البرلمان السوري.

كثير من زملاء الدراسة لديك، صاروا روادا في عالم الفكر والسياسة. وبعض طالباتك أيضاً، وقد شاركت العديد منهم الآراء والتوجهات نفسها. ما انطباعاتك بهذا الخصوص؟

من أهم زملاء الدراسة لدي: جورج حبش، وسعدون حمادي وزير خارجية العراق سابقا، منصور الأطرش، حسان مريود وزير خارجية سابق أيضاً. وهؤلاء ليسوا زملاء دراسة فقط، بل زملاء في العروبة وكنا نعمل معاً على الصعيد العربي. ومن طالباتي اللواتي أذكرهن: رصينة جحا من بنات المرحوم فريد جحا، جميلة جازة، ضياء قصبجي. وكنت حينها أدرّس اللغة الإنكليزية، وطالباتي يدرسن اللغة الإنكليزية، وهذا أسعدني كثيراً لأنني بذلت كل جهدي في تأسيسهن بشكل جيد.

محبة رابعة العدوية

اشتهرت بحبك للرحلة والسفر والتنقل الدائم، كيف كانت دوافعك في هذا الصدد كأديبة؟ وما قصة بحثك حول رابعة العدوية؟

أنا عاشقة القصيدة والنص، واللصيقة بالكلمة وموسيقى الشعر، وهكذا فإنني متعلقة بالرحلة والاستكشاف، لما لذلك من إجداء وإفادة لعوالمي الثقافية الفكرية والعلمية والسياسية أيضا.

إذا ولأنني لا أحب أن أبقى كالماء الراكد، أحاول أن أجدد كل بضع سنوات، لأبقى في حيويتي ونشاطي، فبالإضافة إلى أسفاري الخاصة كنت أحاول أن أجدد معلوماتي. ذهبت إلى كندا لأدرس في معهد الدراسات الإسلامية والمعهد لا يقبل إلا الطلاب من ذوي المجموع العالي، وأن ترشحهم جامعة معروفة أو أستاذ معروف.

وأنا رشحني د. اسحق موسى الحسيني، الذي كان يدرّس في ذاك المعهد، وقد وافق الدكتور «مصطفى حداد» على سفري بإجازة دراسية بلا راتب حتى أقوم بالدراسات الإسلامية، لكن درست سنة واحدة ثم استدعيت إلى حلب، وفي هذه السنة كان أستاذ التصوف سويسرياً، وطلب منا أن نقدم دراسة عميقة جداً عن أحد المتصوفين بكل ما كتب عنه في اللغات الأجنبية المعروفة، فكان من الطبيعي أن أختار «رابعة العدوية» لأنني الفتاة الوحيدة في الجامعة، ورابعة العدوية المتصوفة الوحيدة وكتبت عنها بحثاً بالإنكليزية.

وسافرت إلى «الولايات المتحدة» وهناك تنقلت بين 13 ولاية، وبذلت جهودا كبيرة لشرح القضية الفلسطينية، خصوصا في ظل ما وجدته من تأثير كبير للدعاية الإسرائيلية لدى هذا الشعب. كما زرت البيت الأبيض ومكتبة الكونغرس.

هل قمت بأي أدوار وأعمال فكرية واجتماعية هناك، علاوة على اعتنائك بالدراسة؟

نعم كان لي نشاطات أخرى غير الدراسة، وكانت اجتماعية بوجوه مختلفة، ولم يكن يوجد من قبل، ودعونا إليها أساتذة الجامعة على مستويات مختلفة لكي نحصل على إعلانات وملصقات، ولهذا ذهبنا إلى العاصمة «تورنتو» لنحصل على ما نريد ولم يكن هناك تمثيل دبلوماسي بين سورية وكندا، فذهبنا إلى السفارة المصرية علها تفيدنا، فوجدنا خرائط للسد العالي فقط، على الرغم من أن السد العالي كان قد تم بناؤه ويعمل، ثم أصبحت كذلك في مركز إسلامي، وكنت الوحيدة فيه ودخلت مجلس الإدارة كأول امرأة غريبة ومسلمة، وتبرعت بتعليم أبناء الجالية المسلمة والعربية اللغة العربية.

الشاه على خطأ

ما قصة لقائك شاه إيران وجولاتك في أميركا؟

زار «شاه إيران» «كندا»، كما زار المعهد العربي (المركز)، الذي كنت أسسته هناك مع مجموعة من الزملاء العرب، وتبرع بمجموعة من الكتب النفيسة والمخطوطات الإسلامية، وطلب أن يتعرف الى طلاب المعهد، وكنا خمسة عشر طالباً وكنت الفتاة الوحيدة بينهم، وارتدينا لباساً معيناً لاستقباله، وقد حضر بصحبة المدير وبدأ يتعرف الينا واحداً واحداً، ولما جاء دوري سألني من أين أنا قلت من سوريا (حلب).

وسألني ماذا أحب أن أعمل مستقبلاً قلت في السلك الدبلوماسي لكي أُفهم الذين وقفوا مواقف غير صحيحة من قضيتنا أنهم على خطأ، وقد فهم قصدي وكان إنساناً مثقفاً جداً وكنت أغمز لاعتراف إيران بإسرائيل.

تحدثت مرة عن صداقة والدك مع المفكر الراحل عبد الرحمن الكواكبي، حتى انه كان معه ليلة اتهوف.

والدي كان صديق عبد الرحمن الكواكبي، رحمهما الله، وكانت له تجارة بين سورية ومصر، وكانوا ثلة من الأصدقاء، منهم: عبد العزيز الثعالبي، رشيد رضا، والكواكبي. كانوا يجتمعون في مقهى يلدز بالقاهرة، ويتناقشون في كافة الأمور التي تهمهم.

وفي إحدى الليالي في نهاية السهرة، رافق والدي الكواكبي وابنه كاظم مسافة من الطريق، ثم افترقوا، ووصل والدي لأن مسكنه أقرب، وبينما كان والدي يخلع ملابسه فإذ بابن الكواكبي ينادي عليه:

يا عم لا أدري ما الذي حصل لوالدي، وغادر الاثنان إلى حيث المفكر الكواكبي، ولما وصلا إليه كان في الأنفاس الأخيرة فقال لوالدي: لقد سمموني بفنجان القهوة يا عبد القادر. وشيّع جثمان الكواكبي على نفقة الخديوي إسماعيل، وضاع أثره إلى أكثر من 30 سنة ثم أرسلوا لوالدي حتى يدلهم على القبر في القاهرة، وقد فعل.

محمد جمال طحان