صحافي التحقيقات الأميركي اي. ف. ستون هو أحد أشهر الصحافيين الأميركيين في القرن العشرين. من مواليد عام 1907 وتوفي عام 1989، وقد كرّس له الصحافي الأميركي الشهير الآخر د. د. غوتنبلان، كتابا تحت عنوان «أميركي راديكالي» حياة اي. ف. ستون وأزمنته».
جرى تكريس ستون على أنه أحد «ايقونات» صحافة التحقيقات الأميركية. ولكن جرى اتهامه أنه صحافي عنيد، أو «راديكالي» حسب توصيفه بهذا الكتاب، ووصولا إلى اتهامه أنه كان جاسوسا يعمل لحساب جهاز الاستخبارات السوفييتي السابق «كي.جي.بي».
وفي هذه السيرة التي يقدّمها غوتنبلان عن ستون يتم التأكيد على أن صحافي التحقيقات الأميركي الشهير كان مأخوذا بالسياسة وعالمها حيث لم يتردد في اتخاذ مواقف راديكالية عديدة وفي البحث عن المسارات الحقيقية للتاريخ من جهة وبحب الحياة ومباهجها من جهة أخرى.
أما المادة الأساسية التي اعتمد عليها المؤلف فقد ضمت مقابلات عديدة أجراها مع أسرة ستون ومع أصدقائه وكتابات ستون كلها بما في ذلك الكثير من رسائله الخاصة والاستعانة بكتابين سابقين كان موضوعهما هو سيرة حياة ستون.
فمن هو اي. ف. ستون؟
ايزيدور فنشتاين ستون اسمه الكامل- من مواليد فيلادلفيا عام 1907 في أسرة يهودية مهاجرة من روسيا. درس الفلسفة في جامعة بنسلفانيا وبدأ الكتابة الصحافية منذ أن كان طالبا فيها. عمل لفترة في «نيويورك بوست» في سنوات الثلاثينات الماضية ودعم آنذاك الرئيس فرانكلين روزفلت وخططه الإصلاحية الطموحة.
ومن المحطات الأساسية التي يتم التأكيد عليها في حياة ستون، هو ذهابه إلى منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية من أجل القيام بعدة تحقيقات عن توافد يهود أوروبا الشرقية نحو فلسطين. وقد ركّز على الجهود التي يبذلها هؤلاء الوافدون للوصول إلى فلسطين والمصاعب التي يواجهونها في الوقت الذي كان أكثر سهولة لهم الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية.
وبعد أن أبدى ستون تعاطفه مع أولئك اليهود أكّد ضرورة قيام دولة مزدوجة الجنسية بحيث يتعايش بداخلها اليهود والفلسطينيون. لكن مع مرور الزمن وعلى خلفية مشاهداته من موقع الصحافي الذي يراقب ما يجري على الأرض، أصبح أكثر فأكثر تعاطفا مع القضية الفلسطينية مما أثار غضب قادة إسرائيل وفي مقدّمتهم آبا ايبان.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب القول إن وزارة الخارجية الأميركية قد امتنعت عن منحه جواز سفر في عام 1950 لـ «أسباب سياسية» ولم يحصل عليه من جديد حتى عام 1956 حيث عاد إلى منطقة الشرق الأوسط قبل فترة قصيرة من حرب السويس. وينقل عنه المؤلف تأكيده أن إسرائيل لا تتوقف عن استعدادها للحرب وأنها قد تنتصر في حروب قادمة.
ثم قوله، أي ستون: «سيكون هناك أيضا حروب وحروب إلى أن تتفاهم إسرائيل مع الفلسطينيين» ويضيف قوله: «إن الطريق نحو السلام تمرّ عبر مخيّم اللاجئين الفلسطينيين»، كان ذلك في عام 1956.
ويصف المؤلف ستون أنه كان صحافيا عاديا خلال سنوات الثلاثينات والأربعينات، بل ووجد نفسه في عام 1950 عاطلا عن العمل ولا يجد منبرا صحافيا يعمل فيه. وفي مثل ذلك السياق قرر أن يُصدر مجلته الخاصة «اي. ف. ستون ويكلي» التي أخذت بعد سنوات قليلة شهرة كبيرة في الولايات المتحدة. ذلك على خلفية المواقف التي اتخذتها ضد «المكارثية»، أي ضد الدعوة التي أطلقها السناتور مكارثي لملاحقة جميع الذين تحوم حولهم الشكوك بالتعامل مع الشيوعية، ولو من بعيد. وأعقبها حملات من الاعتقال والاضطهاد الذي تعرض له مثقفون وسياسيون على الشبهة.
وكذلك اتخذت مجلة «ستون» مواقف حادة وصريحة في تأييد حركة الحقوق المدنية الخاصة بإعطاء الأفارقة الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية الأميركيين السود- حقوقهم كمواطنين كانوا قد ساهموا بفعالية في بناء الولايات المتحدة الأميركية. وإلى جانب حملته المطبوعة ضد جميع أشكال التمييز العنصري في أميركا كان ستون هو الصحافي الأميركي الوحيد الذي تحدّى الرئيس لندون جونسون بخصوص حادثة خليج تونكين.
إن المؤلف يقدّم ستون على أنه أحد أهم الصحافيين الأميركيين خلال القرن العشرين. وأنه كان صوتا مميزا ويمتلك شهية كبيرة للبحث بحيث يتم تشبيهه بالصحافي والكاتب المعروف «سيمور م. هيرش». وكان قد عرف عدة تطورات في مساره الصحافي، الأمر الذي يفسّر المؤلف لاستخدام تعبير «الأزمنة» بصيغة الجمع في العنوان. هذا فضلا عن أنه عاصر الكثير من الأحداث الكبرى وكان «رائدا» عندما أصدر مطبوعة فردية جمع فيها بين البعد السياسي والتحقيق الصحافي، ومما يعتبره المؤلف «نوعا» جديدا في العمل الصحافي لم يسبقه إليه أحد، وحيث كانت مجلة مقرّبة من الديمقراطيين ومن توجه «اليسار الجديد».
وتشكل معركة ستون ضد المكارتية أحد مراكز ثقل هذا الكتاب، ذلك على أساس أن تلك المعركة هي أحد النقاط التي تميّز فيها ستون عن السواد الأعظم من صحافيي جيله. بل ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يشرح على مدى العديد من الصفحات أن ستون لم يكن مجرد صحافي ولكنه كان مفكرا سياسيا أيضا ومفكّرا «راديكاليا» لم يتراجع أبدا عن المبادئ التي آمن بها ودافع عنها.
وينهي المؤلف تحليلاته بالحديث عن ستون من خلال كتابه الصادر عام 1988، أي قبل وفاته بسنة واحدة، تحت عنوان «محاكمة سقراط» والمكرّس لأثينا القديمة. ويشير المؤلف إلى أن «ستون» كان قد عاد بعد «تقاعده» من العمل الصحافي في بداية سنوات السبعينات لتعلّم اللغة اليونانية في جامعة فيلادلفيا التي بدأ مسيرته الجامعية فيها ونال قبل وفاته بسنوات إجازة جامعية بـ «الأدب الكلاسيكي».
الكتاب: أميركي راديكالي، اي. ف. ستون
تأليف: د. غوتنبلان
الناشر: فارار وشتراوس وجيرو نيويورك 2009
الصفحات: 592 صفحة
القطع : المتوسط
American Radical
D. D. Guttenplan
Farrar Strauss Giroux New York 2009
592p.