مثل بطل روايته (اويرلش)، حاول الكاتب النمساوي الشهير روبرت موزيل (1880 ـ 1942) أن يستقر في مهنة معينة، خلال ثلاث مرات ومحاولات: عمل أولاً ضابطًا في الجيش، ثم أستاذًا مساعدًا للهندسة في جامعة شتوتغارت، وأخيرًا باحثًا أكاديميًّا بعد أن حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة وعلم النفس.
إلا أنه، في كلِّ مرة، كان يهجر مهنته بحثًا عن مهنة أخرى، إلى أن تفرغ نهائياً للكتابة الأدبية، وطوال ثماني سنوات، ظل الناشر روفولت ملتزماً بدفع راتب شهري له لكي يكمل روايته، ولكن صبره نفد في عام 1933، فتوقف عن تسديد راتبه، حيث وجد الكاتب نفسه على حافة الإفلاس والتسول، فأنجز الجزء الثاني في العام ذاته، وقد اهتم بالفلسفة والعلوم وتطلع إلى مهنة عسكرية قبل أن ينصرف عنها ويتفرّغ إلى الكتابة الأدبية.أما الرواية، التي تدور أحداثها بين 1913-1914، فقد امتدت كتابتها، من نهاية الحرب العالمية الأولى إلى منتصف الحرب العالمية الثانية، وذلك حين توفي موزيل في منفاه في سويسرا، قبل أن ينجز عملاً يقترب من ثلاثة آلاف صفحة. ولهذا لم تظهر الرواية كاملة في طبعتها الألمانية إلا في عام 1978، ولم تنشر كاملة باللغة الانجليزية إلا في عام 1995.
بطل رواية (رجل بلا سمات) يُدعى أولريش، وهو في الـ 33 من عمره وأحداث وزمن الرواية في آب 1913، أي عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى. وتراوده مشاعر وأحاسيس بأنه (ولد مع رغبته في أنه سيصبح رجلاً عظيماً)، إلا أنه يعجز عن تحقيق هذا الحلم، فيتخلى عن عمله، ويجلس في المقاهي يتأمل هذا الحلم. لكنه يصطدم بعصر التحولات، ويكتشف أولريش أنه غير قادر على اتخاذ موقف يخصه، فيكتفي بدور المُشاهد السلبي الذي يجلس في مقهى الحياة ويستغرق في التأمل، من دون أن يكون له موقفٌ أو سِمات، ويسعى إلى أن يفهم نفسه بطريقة أخرى.
ويُعتبَر أرنهايم الشخصية المضادة لأولريش في الرواية (وهو بورتريه للسياسي والكاتب الألماني فالتر راتناو، المعاصر لموزيل)، الذي يعتقد أنه وصل إلى ما يبحث عنه بطل الرواية، وهو التوازن بين العقل والروح، وهو نفسه يؤكد على تجاوزه الواقع لأن وجوده لم يعد له أية سمات أو صفات أو خصال، ولم يعد أمامه سوى احد خيارين: (العواء مع الذئاب أو التخلي عن العقل).
هكذا تصبح كل أفعال البطل مشحونة بوعي فلسفي لا فكاك منه. تعتمد رواية موزيل على ثقافته المتنوعة والواسعة، والتي استوحاها من علم النفس والفلسفة والهندسة والرياضيات، محولاً إياها إلى واقع فعلي ويومي دقيق التفاصيل، على الرغم من أن شخصيات الرواية تتكلم بلغات مختلفة، إحداها تتكلم بلغة (جنرال في الجيش النمساوي)، وآخر بلغة (رجل أعمال عصامي) أو (بلغة خادمة أمية)، وصولاً إلى شخصية القاتل السادي المعتوه (موسبروجر).
وهكذا تتصارع اللغات، كما تتصارع الشخصيات والأفكار في عالم يفتقر إلى (السمات)، عالم الموتى والذين فقدوا عقولهم وأرواحهم، وهنا يتعامل الروائي مع الزمن في وجود لا سمات له، عالم سديمي تعيش فيه الشخصيات، وهي الأفكار التشاؤمية التي سادت بين الحربين.
تبدو الرواية، للوهلة الأولى، معقدة بسبب فصولها الأشبه بالمقالات، التي يبدو فيها أثرُ نيتشه الذي جمع في مقالاته بين التحليل الفلسفي والأسلوب الأدبي الناصع واضحًا جليًّا. يمزج موزيل أيضًا في هذه الفصول بين أفكاره ونظريات أو آراء نيتشه وفرويد واشبنغلر وغيرهم. وكثيرًا ما يقطع موزيل الخيط الروائي لإفساح المجال أمام التأملات والهواجس والظنون التي تخامر رؤوس شخصياته؛ في نص مفتوح قلّ نظيره في الأدب الحديث.
فالكتابة الروائية، بنظر موزيل، أشبه بعملية نسج لخيوط لا نهاية لها، وعلى الرغم من كلِّ التعقيد في تخطيط الرواية، فإن الرجل الذي لا سمات له، ليست رواية ذهنية خالصة.
ومن المعروف عن روبرت موزيل أنه كان يعيد صوغ بعض فصول روايته مرات عدة تصل أحيانًا إلى العشرين، قبل أن يصل إلى صياغة لغوية وأسلوبية نهائية، وهذا الهوس بالكمال، يجعله عاجزاً عن خط سطر واحد في أيام متتالية.
جاء هذا العمل على عكس الصورة التي رسمها روائيون أمثال تولستوي وبلزاك وديستويفسكي، لأنه أحدث ثورة في طريقة السرد التي تعتمد على التأمل وسبر أغوار المستقبل، عبر الذهن المتوقد الذي لا يترك شاردة أو واردة، دون أن يعلق عليها أو يشعر بصلة القرابة منها، لذلك كان ابن عصره والمعبّر المخلص عنه، وخاصة في عالم كان يتشكل ما بين الحربين العالميتين، حيث الاغتراب والعجز والدمار.
وهذا العصر الذي أنجب رواية (رجل بلا سمات) هو ذات العصر الذي ظهرت فيه أعمال عظيمة، مثل كتاب هوسرل عن أزمة العلوم وأفكار هايزنبيرغ عن أزمة الفيزياء وآراء شبنغلر عن (سقوط الغرب). إنها فعليا رواية فلسفية دون أن تكون مملة، وتأملية دون أن تغرق في التفكير، فهذا الروائي تمكن فيها من إضفاء الحس الفلسفي على الحياة اليومية ولغتها الطرية، ففتح بذلك مجالاً واسعاً أمام هذا النمط من الرواية، التي قلدها الكثيرون بعده دون أن يفلحوا.
الكتاب: رجل بلا سمات
تأليف: روبرت موزيل
الناشر: فانتاج ـ بريطانيا 1996
الصفحات: 752 صفحة
robert musil
a man witout qualities
Vintage 1996
P 752
شاكر نوري