يبين كتاب «الممالك والقبائل الآرامية»/ دراسة، لمؤلفه خليل أقطيني، والصادر عن مطبعة الروضة-2010م، أنه يرجع الآراميون في أصولهم إلى قبائل بدوية عاشت وتنقلت في البادية السورية.

وبخاصة ما بين سلسلة الجبال التدمرية وجبل بشري، قبل أن تستقر على أرض الرافدين وبلاد الشام، وظهروا على مسرح التاريخ في الشرق العربي القديم منذ الألف الثاني، ربما منذ أواخر الألف الثالث ق.م. وكانوا عرفوا أوَّل ظهورهم هذا باسم (أحلامو) أي الرفاق، وقد وردت هذه التسمية في رسائل تل العمارنة في القرنين الخامس والرابع عشر ق.م. وحسب المطران «اسحق ساكا» فإنَّه من المؤكَّد أنَّهم قبل الميلاد بألف عام كانوا متوجودين في جنوب العراق وادي الرافدين أو سهل شنعار، ودليله على ذلك وجود النبي (إبراهيم الخليل) في مدينة أور العراقية، ومن الثابت أنَّ إبراهيم كان آراميا.

ويوضح المؤلف أنه أسَّس الآراميون ممالكهم في بابل وإلى الجنوب منها، وفي منطقة الجزيرة السورية وطور عابدين، وعلى ضفاف الفرات من كركميش حتى عانة، وفي بلاد الشام من جبال طوروس حتى نهر الزرقاء في الأردن.ونشأت أولى الدول الآرامية في منطقة الفرات الأوسط، وهي الممر بين بلاد الرافدين وسورية، وقد سُميت إحداها آرام النهرين، والنهران هما الفرات ورافده الخابور، وليس الفرات ودجلة.

وأهم الممالك التي أسَّسها الآراميون مملكة «فدان آرام» التي تقع في حوض البليخ، ومركزها «حران» وهي تعني الطريق السهل، وقد لعبت دوراً في تجارة العالم القديم واشتد ثراء أهلها، وتألقت حران في ذلك العهد حتى غدت من أزهى مراكز الثقافة الآرامية.

وكانت هناك أيضاً ثلاث إمارات آرامية متجاورة كونتها قبيلة(تيمانيا)، وهي : أولا- نصيبين، وهذه ارتبطت بطريق مهم يصلها بالرها وحدياب (أربيل) فأرمينيا باتجاه الشرق، وبسنجار والحضر في الجنوب الشرقي، وبميسان حتى الخليج العربي والهند في الجنوب، وبمنبج فالشام إلى الغرب، وتدمر إلى الشرق الأقصى.

وثانيا - دولة بيت زماني وقد قامت في فترة انحطاط الدولة الآشورية في المنطقة الكائنة بين الفرات وينابيع نهر الخابور، واتخذت آمد (دياربكر) قاعدة لها.وثالثا- مدينة جوزن وهي تل حلف جوار بلدة رأس العين، وقد اتخذتها عشيرة(نجياني) الآرامية عاصمة لها، وأقاموا فيها قصوراً شاهقة وأحاطوها بأسوار منيعة، وقد أسفرت التنقيبات الأثرية فيها عن اكتشاف قصر ضخم وأختام من الفخار عليها كتابات باللغة الآرامية، ومنحوتات وأقراط ذهبية، وقد عثر في أحد مدافن الآراميين على صفيحة ذهبية رقيقة كانت توضع على فم الميت لتمنع دخول الأرواح الشريرة إلى جسده.

ويشير أقطيني إلى انه اعتمد الآراميون في الجزيرة السورية في إقامة حكمهم، على النظام الملكي، لكن ليس بشكله الأوتوقراطي.

وكانت جميع القصور الملكية تبنى بوجود تنظيم إداري. وهاهو الملك «بنامو الأول» ملك شمأل يقول على تمثال حدد: إنَّ همَّه الأوحد سعادة شعبه، ويدرج المؤلف استشهادات أخرى بهذا الصدد، منتقلا لإيضاح حقيقة أنَّ النزعة الفردية المتنامية وروح الاستقلالية الكبيرة لم تتح للآراميين إقامة كيان سياسي موحَّد في المنطقة.

إذ لم يتمكنوا من توحيد دويلاتهم وجعلها دولة مركزية موحدة، وهذا ما يفسِّر لنا تراجعهم التدريجي أمام الآشوريين، بعد أن سيطروا تقريباً على مختلف أنحاء سورية وشمال الرافدين في مطلع الألف الأوَّل ق.م. وهناك من يعتقد أنَّ العامل الديني هو السبب، فقد كان الآراميون يعبدون آلهة كثيرة يعبدها غيرهم من الأقوام الأصلية في المنطقة العربية.

لكن المسألة تكمن باختصار بالتركيبة الاجتماعية والبيئة الثقافية التي حكمت هذه الممالك، وهي نتاج نمط معروف من العقلية التي ترى في القبلية والعشائرية والطبقية محور وجودها.

فقد كان العصر الآرامي هو آخر عصر في سلسلة عصور ممالك القبائل، التي توالت على السلطة في بلاد الهلال الخصيب، منذ مطلع الألف الثالثة وحتى منتصف الأوَّل ق.م. حيث سقط المشرق العربي وأرض الكنانة في أيدي الأخمينيين.

وخضعت البلاد بأكملها وللمرة الأولى للاحتلال الأجنبي، الذي جاء بعد احتلال أجنبي آخر هو الاحتلال اليوناني ثمَّ الروماني/ البيزنطي. ودام الخضوع للاحتلال الأجنبي منذ عام 535 ق.م حتى بدء الفتوحات العربية الإسلامية، أي ما يقارب 1200 عام.

وأظهرت الوثائق كما يؤكد الباحث أقطيني، وجود نظام ضريبي متطور نسبياً في الممالك والإمارات والمدن الآرامية التي قامت في منطقة الجزيرة السورية، حيث كان يتم تسجيل واحتساب مايملكه كل فرد من أفراد السكان في كل قرية أو مدينة بالتفصيل، إلى جانب عدد أفراد أسرته، وذلك من أجل تحديد من يتوجب عليهم من السكان دفع الضرائب، أو الإعفاء من دفعها.

كما اشتهر الآراميون بالتجارة شهرة الآشوريين بالحروب والفتوحات، حتى أنهم بزُّوا الفينيقيين في التجارة البرية، وأصبحوا سادتها بلا منازع كما كان الفينيقيون سادة التجارة البحرية.

فقد احتكر الآراميون تجارة سورية الداخلية، باحتكارهم طرق المواصلات المؤدية إلى البلاد المتاخمة، إذ جابت قوافلهم التجارية بلدان الهلال الخصيب ووصلت حتى منابع الرافدين شمالاً وإفريقيا جنوباً.

ونقلوا منتوجاتهم والسلع المستوردة إلى مختلف أرجاء البحر المتوسط. وكانت قوافلهم تجوب الشرق الأدنى بأكمله، تحمل الأرجوان من فينيقية، والأبنوس والعاج من إفريقيا، واللؤلؤ من الخليج. كما تاجروا بالألبسة والنحاس واستخدموا النقود في تجارتهم.

وقد عثر في أطلال آشور ونينوى على أوزان نحاسية آرامية.أما في الصناعة فقد أجاد الآراميون صناعة التحف العاجية وصياغة الحلي الذهبية والفضية والنحاسية، وصناعة الأسلحة والمركبات الحربية، وغير ذلك الكثير.

ويستنتج المؤلف أقطيني أنَّ اللغة الآرامية قد فرضت نفسها على المنطقة نظراً لسهولة أبجديتها وبساطة نحوها وصرفها، وساعدها على ذلك النشاط التجاري للمتحدثين بها، حيث توسع الآراميون تجارياً وثقافياً، وقد فاق ذلك التوسع توسعهم السياسي والعسكري.

الكتاب: الممالك والقبائل الآرامية (دراسة)

تأليف: خليل أقطيني

الناشر: مطبعة الروضة 2010

الصفحات: 240 صفحة

القطع: الكبير

أنور محمد