يعني كتاب «الحافات الجديدة ـ التكنولوجيا وأثرها على القوة في العلاقات الدولية»، لمؤلفه خالد المعيني، والصادر عن دار كيوان ـ دمشق 2009م، في توصيف وتحديد دور التكنولوجيا المتزايد في تطور مفهوم القوة في العلاقات الدولية والحياة السياسية والاجتماعية العامة، ويبين المؤلف أن القوة اليوم لم تعد تُستمد من الموارد الأولية وحجم الجيوش.

ولا من الثروات الزراعية والنفطية والتجارية، بقدر ما أصبحت تستمد من التكنولوجيا والتوظيفات التقنية للعلوم التطبيقية، حيث أصبحت التكنولوجيا «الأداة الرئيسية للتنافس والصراع»، وسلاحاً نافذاً يعيد ترتيب الكثير من المسلمات والمعادلات في العلاقات الدولية.ويبين المؤلف كيف أن هذا الدور المتزايد للتكنولوجيا، أدى إلى تغييرات سياسية، تعيد هيكلة النظام الدولي على أسس جديدة. الأمر الذي يستدعي استشفاف تطور مستقبل القوة والسلطة وتكوناتها التكنولوجية الجديدة، وأثر ذلك على كافة الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية.

وهذا يعني في النهاية، أن البشرية إذا كانت قد عاشت الثورة الزراعية قبل آلاف السنين، والثورة الصناعية قبل مئات السنين، فإنها تعيش منذ عشرات السنين الثورة التكنولوجية التي يسميها آلفن توفلر ب«الموجة الثالثة»، إذ تلاقت ثلاثة مصادر للقوة: القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والمعرفة، لتنتج تحولاً هائلاً في القوة، يعتمد بشكل أساسي على التوظيف الصناعي للعلم والمعرفة .

ويرى المعيني في بحثه هذا أن للنظام الاقتصادي التكنولوجي الجديد، هو بعد أيديولوجي سياسي جديد، يتمثل أولاً في تقليص دور الدولة ومؤسساتها السيادية لصالح الشركات متعددة الجنسية والمؤسسات الاقتصادية الكونية، وثانياً في رفع قدرة الغرب على التحكم بالدول النامية، من خلال التحكم في «مفاتيح التكنولوجيا المتقدمة»، وثالثاً في خلق مجال جديد من العلاقات، لا ينتمي للجغرافية ولا إلى التاريخ وهو مجال بدون ذاكرة أو تراث وخالي من الأبعاد الإنسانية.

كما يحدثنا المؤلف عن دور التكنولوجيا في الاختراق الثقافي للثقافات المحلية والتقليدية، فالأقمار الصناعية ومحطات الإرسال ومراكز المعلومات وشبكة الإنترنت، اخترقت كل الحواجز وحطمت كل الخصوصيات، ويضاف إلى ذلك أن التكنولوجيا أصبحت قادرة حتى على «تكوين الثقافة»، ونشرها وتحديد مضمونها.

فإذا كان لاختراع الكتابة كبير الدور في نشر ثقافة وادي الرافدين إلى بقية أنحاء العالم القديم، وإذا كان لاختراع الطباعة أثر في نشر المعارف والعلوم والثقافات بشكل واسع في العصور الحديثة، فإن للتكنولوجيا أثرا كبيرا في تنميط الثقافات وجعل نماذج معينة تسعى للسيطرة على بقية الأنواع الثقافية.

فالتكنولوجيا هي التي أدت إلى انتشار «الثقافة الاستهلاكية»، والثقافة المادية الحسية، ناهيك على أنها حملت إلى العالم قيم وأخلاق الشعوب المتقدمة تكنولوجياً، فالثقافة في ظل العولمة اليوم، بدأت تتحول إلى مجرد سلعة ينطبق عليها ما ينطبق على السلع المادية الأخرى، حيث يتم توكيب التبادل الثقافي وتسليعه بصورة براقة وجذابة، ليكون سريع التأثير وقوي الانتشار.

ويبين لنا المؤلف أن الصراع على ما يسميه «التكنولوجيا العالية» أو تكنولوجيا القمة، هو السمة البارزة للقرن الواحد والعشرين. ويقصد بها التكنولوجيا النووية والهندسة الوراثية والأجهزة الإلكترونية الذكية.وأهم اللاعبين الدوليين الذين يحاولون احتكار هذه التكنولوجيا وتحويلها إلى أداة للضغط السياسي على المنافسين: الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوربي. بينما أن أهم الدول التي تُحارب عن طريق منعها من الحصول عن التكنولوجيا العالية هي: إيران، الصين، كوريا الشمالية، وغيرها الكثير.

ونجد المعيني يحذر من ما يسميه ب«الانفراد التكنولوجي»، ويعني به احتكار التجديد التكنولوجي من قبل دول ومؤسسات بعينها، فمشكلة هذا الاحتكار أنه يتحكم بتقدم بعض الدول في مجالات التكنولوجيا، لتتحول التكنولوجيا إلى أداة للضغط السياسي يراد منها دفع كل من يريد الاستفادة من هذه التكنولوجيا إلى تقديم ثمن سياسي، يتمثل بتقديم المزيد من الولاء واحترام مصالح الدول التكنولوجية الكبرى.

الكتاب: الحافات الجديدة التكنولوجيا وأثرها على القوة في العلاقات الدولية

تأليف: خالد المعيني

الناشر: دار كيوان دمشق 2009

الصفحات: 250 صفحة

القطع: الكبير

رشيد الحاج صالح