يجد قارئ رواية «حرّاس الهواء» للكاتبة روزا ياسين حسن بطلتها «عنات إسماعيل» التي تعمل بالسفارة الكندية كمترجمة فورية، للاجئين الأجانب، تصاب بالغثيان بسبب القصص التي تمر عليها، على خلفية أنها حامل، وحملها هذا يبدأ مع أول السطور لتنتهي القصة به.
في الرواية نجد إضافة إلى حكايات المهاجرين الذين يروونها، وكلٌّ حَبَكَ قصته لدرجة أن «عنات» تشعر بالألم بعد كل حكاية وتريد أن تغادر مبنى إدارة الهجرة والتجنيس في السفارة، ولتنتهي بحكاية أخرى تخصّ المعتقلين السياسيين، ولا مانع بينهما أن تورد الكاتبة زواجاً بين طائفتين، وموافقة أبي حيّان على ذلك، الذي لم يؤمن يوماً بهذه الطوائف، إنه يلف ورق السجائر ويكتب الشعر وينتظر إيزابيل كي تأتي من الأندلس وتعيش فترة عنده مؤمنة وإياه بالتقمص الذي صار واقعاً وشاهداً على ما تريد. يتخلل الرواية حكايات عن زيارة الأولياء والأضرحة والكتابة إليهم من قبل النساء، فهذه تطلب عريساً ينقذها من عنوستها ولا تهمها صفاته، وهاته سافر ابنها وهي لا تعرف إلى أين وتطلب من القبر أن يعيده إلى حضن أمه وأبيه.
وتلك يطلب منها خادم المزار أن تكتب على ورقة منفصلة ثم تدسها بين طيات الثوب الأخضر، ثم تتذكر طلباً أخيراً، فعادت وفشلت الرسالة ثم أضافت: «وبشفاعتك يا سيدي تقرّب من طلعة جواد من السجن، حرام مشان بنتي عنات، والله عم تدوب متل الشمعة... يا سيدي ويا مولاي، وإذا ما حبيت تطلّعه وأنت العارف المنان أرجوك أن تبعث لها بعريس ينسّيها جواد يا شفيعي...».
ولا تنسى أن تمرّر (طقة الرصاص الساخنة لدرّ العيون الحاسدة، والإيقونات والحجارة الزرق والعيون الفضية المنقوشة والبخور والنذور) وغرز الدبابيس في الوسادة الصغيرة داخل العلبة التي دفنتها جميلة في مكان ما من بيت أهلها، كل إبرة تمثل شراً يتحقق في العائلة مزروعاً في قلوبهم وفي دروب حياتهم كما ينغرس المعدن المدبّب في قطن الوسادة. وتظن جميلة أن ما يحدث لها ولعائلتها لأنها لم تجد العلبة ولم تحرق الشرور المستوطنة فيها، فاستوطنت روحها وحياتها.
ثم تمرّ روزا ياسين حسن على العراق قبل سقوط بغداد فتصوّر حالة الرعب الموجودة فيها، من خلال الفنان العراقي عازف البزق الذي يعيش في مدينة «أربيل» شمال العراق، يغني أغنية كلدانية جعلت جمهوره يطرب إليها، لكن ما إن انتهت الأغنية حتى أحاط به رجال الأمن العراقي كجيش عائد من حرب، فشدوا منافذ الخروج وأخذوا عشرات الشبان والفتيات الموجودين، حبسوني في غرفة من كواليس المسرح، بعد ثلاثة أيام طويلة صرت أحسّ بأن حلقي تحوّل إلى كتلة من الشوك الجاف، وبأني لا أقوى على الحركة...
في آخر اليوم الثالث أتى أربعة رجال من قوات أمن العاصمة... ساقوني، وأنا شبه مغمى عليَّ، إلى سجن المهجر في بغداد، كانت تهمتي التحريض على ثورة كلدانية للأقلية.
والمسكينة «عنات» تغلي وتمور وتصل إلى الذروة «فإمّا ستنسحب حالاً وإما ستتقيأ كل ما في جوفها... هذا بعد كلّ قصة تسمعها من الذين يريدون الهجرة إلى كندا. كذلك تعود بنا الكاتبة إلى عام 1958، فقد حصل والدها على قطعة أرض صغيرة، لكنها تعود بسبب التعديلات التي أجريت على قانون الإصلاح الزراعي، وشرع الإقطاعيون إثر ذلك ينتزعون الأراضي التي سبق أن حاز عليها الفلاحون، فما كان من الوالد إلا أن هجر القرية والتجأ إلى اللاذقية.
حيث تبدأ معه قصة العائلة ـ المغضوب عليها ـ في رحيله إلى الرقّة وتدريسه اللغة العربية ثم فصله وتقاعده وجلوسه في دمشق إلى جلوسه في البيت يشاهد أفلام ويلفّ التتن ويكتب الشعر، وينتظر إيزابيل ليتصاديا رغم بعد المسافة بينهما. أناس داخل السجن وآخرون خلفه يستعدون لمقابلة أهلهم وذويهم المسجونين، وصراخ وألم ودموع، وعناق المعتقلات وهن يودعن واحدة أفرج عنها وأناس فقدوا أحبتهم خارج السجن، كل ذلك تصوره الكاتبة في مشاهد مؤثرة تأخذ الروح بعيداً إلى عالم كلّه أمل وبكاء بصمت.
حتى «بيير» الذي جاء إلى هنا ليكتب كتاباً عن الأقليات، وقد تمَّ إيقافه بقرار أمني عن طريق السفارة، وهُدد إن هو استمر في الأمر أن يُرحَّل خلال أيام إلى بلاده، والذي فعلاً كفّ عن بحثه، بيير هذا ستحبه الراوية: «كانت عنات تقرّر أن هذه العلاقة إن استمرت أو لم تستمر، ستكون سرّها... سرّها الصغير الخاص».
تشعب الزمان
إن مكان العمل الروائي يدور بين مدن دمشق واللاذقية والرقة، لكن وباعتبار أن روزا ياسين حسن لا تعرف الرقّة واللاذقية فقد وصفتهما بشكل سطحي لا يعبّر عنهما، والأحداث التي تمر بهما يمكن أن تمرّ في بلد آخر، والزمان يتشعب وتدور عليه الأحداث.
المؤلفة في سطور
«روزا ياسين حسن» من مواليد دمشق 1974، درست الهندسة المعمارية، وكتبت في المجلات والصحف العربية والسورية. لها: «سماء ملوثة بالضوء» قصص في عام 2000، و«آبنوس» 2004، نالت عليها جائزة حنا مينه، و«نيغاتيف» رواية توثق للمعتقلات السياسية، القاهرة 2008.
الكتاب: حرّاس الهواء
تأليف: روزا ياسين حسن
الناشر: الكوكب رياض الريّس ـ بيروت 2009
الصفحات: 302 صفحات
القطع: المتوسط
فيصل خرتش