يبيّن الكاتب عارف العارف في كتابه «تاريخ الحرم القدسي» كيف أنّ المؤرخين اتبعوا أهواءهم، فمنهم من تناول الناحية الدينية، ومنهم من تناول الناحية الهندسية، ومنهم من دمج بين الناحية الدينية والتاريخية والعمرانية، وعلى ذلك فإن الكاتب يجد الفرصة مواتية لإكمال الحلقة الناقصة في ردّ الحقّ إلى نصابه بأن يقوم بدراسة الموضوع دراسة مستفيضة، فبدأ بدراسة مسجد الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ورصد لبنائه خراج مصر لسبع سنين.
شرع البناؤون في بنائه سنة 66 هـ /691 م، فبنوا في بادئ الأمر قبّة السلسلة الكائنة شرقي الصخرة لتكون أنموذجاً، ثم بنوا المسجد نفسه. «ولقد حُفت الصخرة يومئذ بدرابزين من الساسم (شجر يشبه الأبنوس)، ومن خلف الدرابزين ستور من الديباج مرخاة بين العمد، وأقيم عليها عدد من السدنة، نقش اسم عبد الملك بن مروان على قناطر التثمينة الوسطى في الناحية الجنوبية الشرقية من الداخل وبالخط الكوفي المذهب، مكتوب عليها: بنى هذه القبّة عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين في سنة اثنتين وسبعين تقبّل الله منه ورضي عنه آمين. ثم رمّمت عدّة مرات على مرّ التاريخ. وبعد أن بنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة بنى المسجد الأقصى سنة 74 ه/693 م. وهناك من يقول إن باني المسجد هو الوليد بن عبد الملك الذي انتهى إليه الحكم سنة 86 ه/705 م، ويميل الكاتب إلى الاعتقاد بأنّه قد شرع فيه زمن عبد الملك بن مروان ( 74 ه/693 م ) وتمّ في عهد ابنه الوليد ( 86 ه/705 م ) ومهما كان الأمر فمّما لا شك فيه أنه هو الذي غشّى قبّة الأقصى بالنحاس، وهذا أخذه من كنيسة في بعلبك، وكان في الموضع الذي يقوم عليه الأقصى الآن، مسجد بناه الخليفة عمر بن الخطاب سنة 14 ه/635 م.
لم يبق المسجد الأقصى على حاله الأوّل، بل طرأت عليه مع الزمن تغييرات كثيرة بسبب الزلازل والانقلابات السياسية. ويؤخذ من وصف المقدسي (385 ه/985م) أنه كان يتكوّن من رواق أوسط كبير يمتدّ من الشمال إلى الجنوب، يغطيه جمالون، وينتهي من الجنوب بقبّة عظيمة، وتكتنف الرواق الأوسط من كل جانبيه سبعة أروقة موازية له وأقل ارتفاعاً منه، محمولة عقودها جميعاً على أعمدة اسطوانية، ويتوسط الواجهة الشمالية باب كبير كان يسمى (باب النحاس الأعظم) يؤدي إلى الرواق الأوسط رأساً.
وعلى كل من يساره ويمينه سبعة أبواب يؤدي كل منها إلى رواق من الأروقة الجانبية المتقدم ذكرها. والمعتقد أنّ القبّة الحالية والأبواب السبعة التي في شمال المسجد هي من صنع الظاهر لإعزاز دين الله. وتحتوي الفسيفساء الذهبية التي تحلّي الواجهة الشمالية للعقد الذي يحمل القبة.
يقوم مسجد الصخرة في وسط فناء مربع الشكل، فرش بالبلاط الأبيض سنة 693 ه/1293 م، في أيام المنصور قلاوون، طوله من القبلة إلى الشمال أكثر من عرضه من الشرق إلى الغرب. إنّ هذا الفناء واسع، تبلغ مساحته من القبلة إلى الشمال مائتا ذراع وثلاثة وعشرون ذراعاً ونصف ذراع، ويصعد إليه بأدراج من الجهات الأربع، وفي أعلى كل درج قنطرة قائمة على أعمدة من رخام.
وكلها من المنشآت الإسلامية وفي الحرم مزولتان شمسيتان لمعرفة الوقت، واحدة غربية، وهي على رخام مسجد الصخرة من الناحية القبلية، والثانية زوالية وهي على واجهة القنطرة الكائنة في الجنوب الغربي من سطح الصخرة بين مسجد الصخرة والأقصى.
وفي فناء الصخرة نجد المنشآت الآتي ذكرها: قبّة السلسلة وقبّة المعراج ومحراب النبي وقبّة يوسف والقبّة النحوية وقبّة الشيخ الخليلي وقبّة الخضر وقبّة موسى وقبّة سلمان وجامع المغاربة، وهناك في فناء الصخرة وفي ساحة الحرم القدسي عدّة مساطب أعدت للصلاة والتدريس، نذكر منها: مسطبة الكرك ومسطبة علاء الدين البصيري ومسطبة العشاق.
وفي فناء الصخرة ست عشرة غرفة، خمس منها في طرفه الأقصى من الغرب، وعشر في طرفه الأخير من الشمال، وواحدة في الجهة الشرقية. وقد أنشأت ليجلس فيها سدنة المسجد ورجاله من أئمة وخطباء ومؤذنين ومدرسيين حتى الجند الذين تقيمهم السلطة لأجل الحراسة.
مآذن الحرم القدسي
أن للحرم القدسي أربع مآذن، هي: مئذنة باب المغاربة، وتقع غربي الحرم إلى الجنوب، وتسمّى المنارة الفخرية، ومئذنة باب السلسلة، وقد سمّيت بـ «منارة المحكمة»، وتقع غربي الحرم ومئذنة باب الغوانمة، فإنها تقع شمالي الحرم إلى الغرب، وتسمّى أيضاً منارة قلاوون، مئذنة باب الأسباط فإنها تقع شمال الحرم إلى الشرق، وقد تصدّع القسم العلوي لهذه المئذنة بسبب الزلزال الذي حدث سنة 1346 هـ. فأعاد بناءه المجلس الأعلى الإسلامي على نمط جميل. ولكل من هذه المآذن مؤذناً، والمسؤول عن المؤذنين كلهم هو شيخ الحرم.
المؤلف في سطور
ولد عارف العارف في القدس عام 1892 وتوفي فيها عام 1973، وأكمل دراسته الثانوية والجامعية في استانبول، ثم حصل على شهادة في الإدارة والسياسة الاقتصادية ومن المكتب الملكي وعيّن في ديوان الترجمة بوزارة الخارجية في استانبول. أصبح قائم مقام في جنين ونابلس وبيسان ويافا وبئر السبع وغزة ورام الله، أصبح رئيساً لبلدية القدس ثم وزيراً لأشغال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1955.
كان يتقن الإنكليزية والتركي والفرنسية والألمانية والعبرية. له من الكتب: القضاء بين البدو، 1932 ـ تاريخ بئر السبع وقبائلها،1934 ـ تاريخ غزّة، 1943 ـ الموجز في تاريخ عسقلان 1943، تاريخ الحرم القدسي، 1947 ـ المسيحية في القدس، 1951 ـ تاريخ قبة الصخرة والمسجد الأقصى، 1958 ـ المفصل في تاريخ القدس، 1961 ـ النكبة في صور، 1961؛ وكلها مطبوعة في القدس.
الكتاب: تاريخ الحرم القدسي
تأليف: عارف العارف
الناشر: وزارة الثقافة الهيئة العامّة السورية للكتاب ـ دمشق 2009
الصفحات: 170 صفحة
القطع: المتوسط
فيصل خرتش
