كثُر الحديث في السنوات الأخيرة عن «الاقتصاد الأخضر»، أي عالم التكنولوجيات المتقدمة التي تغيّر مصير العالم دون أية آثار ملوّثة للبيئة ودون انبعاث أية غازات. الصحافية الاقتصادية الفرنسية دومينيك نورا كرّست كتابها الأخير لأولئك الذين تصفهم ب«رواد الذهب الأخضر»، كما جاء في العنوان.
إن المؤلفة تعود بقارئها إلى «وادي السيليكون» في كاليفورنيا الذي كان قد عرف «ثورة المعلوماتية» و«تكنولوجيات علوم الحياة» خلال سنوات الثمانينات ثم ثورة الانترنت في سنوات التسعينات. وتعتبره المؤلفة اليوم بمثابة «المختبر العالمي للاقتصاد الأخضر». ولا تتردد في القول ان حفنة من المغامرين، هم بصدد «اختراع» المستقبل الإنساني. الأسماء التي تذكرها المؤلفة لا تعني شيئا لأحد تقريبا، ولا أحد يعرف «ايلون موسك» أو «شاي اغاسي» أو «سول غريفيت» أو «بيل غردس» أو «مات غولدن». لكن هؤلاء سيصبحون، كما نقرأ، من أمثال «بيل غيتس». إنهم رواد حقيقيون في مجال «الأعمال الخضراء»، وهم الذين «يعيدون رسم الخارطة الاقتصادية وعالم الطاقة في العالم» وتصفهم المؤلفة أيضا بأنهم «شباب من أصحاب الملايين الذين حددوا أهدافهم الطوباوية للنظرة الأولى في إحداث ثورة صناعية خضراء».
قائمة مخترعاتهم طويلة وفي مقدمتها السيارة الكهربائية من الجيل الثاني والصفائح الشمسية التي سوف تغطي سطوح المنازل في المستقبل القريب والمحروقات المستخدمة في المحركات ولكن انطلاقا من الطحالب البحرية بحيث يتم الاستغناء تدريجيا عن الوقود التقليدي. باختصار إنهم يعيدون التأمّل بالطريقة التي ينتج فيها البشر ويعملون ويتنقّلون ويسكنون ويتغذون ويقضون أوقات فراغهم ونمط علاقاتهم مع الآخرين. وفي هذه الميادين كلها يحاولون تصوّر سبل الوصول إلى صناعات بديلة تحترم البيئة «الخضراء».
لكن المؤلفة تنبّه مرارا في كتابها من خطأ الاعتقاد أن «أنصار البيئة الأميركيين» هؤلاء هم من مناضلي حركات مناصرة البيئة الذين يتظاهرون في كل مناسبة ضد الصناعات المسؤولة عن انبعاث الغازات والاحتباس الحراري. ذلك أن أصحاب «الثورة الخضراء» في وادي السيليكون ليسوا من الحالمين الثوريين باسم تحقيق عالم أفضل وأنظف، يحثّهم للتحرك الخوف على مصالح أجيال المستقبل، ولكنهم «رجال أعمال» تصل قيمة نشاطاتهم التجارية إلى مئات الملايين من الدولارات.
الفكرة الأساسية التي انطلق منها هؤلاء الروّاد الشباب هي النهوض بالاقتصاد العالمي الذي يعاني من الركود. والانطلاق به تحديدا عبر «التكنولوجيات الخضراء».
ويشرح المؤلف أنه في الوقت الذي تواجه فيه فكرة المراهنة على هذه التكنولوجيات «الخضراء» الكثير من التحفظ في أوروبا وحتى في بعض الجامعات الأميركية الكبرى، فإنهم في كاليفورنيا وادي السيليكون- يقولون بإمكانية «المصالحة» بين الرأسمالية ونزعات حماية الطبيعة.
وهذا بالتحديد ما دعا إليه الاقتصادي اموري لوفنس عندما طالب باللجوء إلى ما أسماه ب«الرأسمالية الطبيعية» التي تتمثل في الدفاع عن فكرة أن الرأسمالية ليست متنافرة مع الطبيعة.إن المؤلفة تذكر الكثير من أسماء الذين قابلهم والذين يعملون في شتى الميادين والقطاعات من الاستشارات لدى البنوك وصولا إلى الشركات البترولية الكبرى والمجموعات متعددة الجنسيات.
ومن خلال هؤلاء جميعا تصل دومينيك نورا إلى القول أن هناك «تعطشا كبيرا في أميركا للذهاب باتجاه التجديد». كذلك يجمع بين هؤلاء جميعا هدف آخر هو ليس النضال في نهاية المطاف ضد سخونة الأرض أو تلوث البيئة فحسب، ولكن أولا وأساسا يعملون من أجل اكتساب أميركا درجة أكبر من الاستقلال في ميادين حساسة كالطاقة عبر إطلاق «الثورة الخضراء».
وما تتم الإشارة إليه هو أن النجاح ليس مؤكدا دائما بل احتمالات الفشل ليست قليلة وهناك مشاريع سوف تؤدي إلى كوارث بالنسبة لأصحابها. لكن «من 100 فكرة هناك عشرة فقط ستستطيع البقاء بينما أن واحدة فقط سوف تغدو غوغل بميدان الطاقة النظيفة.
ثم لا شك أن الأزمة تركت آثارها على الجميع، لكن الكل على قناعة أن الأمور سوف تنطلق من جديد».
وتتعرض المؤلفة على مدى عدة صفحات لموقف السياسة من التكنولوجيات الجديدة التي ينكبّ عليها الرواد في وادي السيليكون. وتشير إلى أن الرئيس باراك اوباما تحدث في مشروعه للنهوض بالاقتصاد عن تقديم مساعدات لعمليات العزل الحراري أو لمجال البحث عن الوقود ذي المصدر النباتي.
هناك دعم في الخطاب السياسي إذن، لكن الانتقال إلى الواقع العملي يتطلّب الموافقة على القوانين الخاصة بالمناخ. ثم إن الصناعات المعنية هي بحاجة لدعم السلطات السياسية المادي كي تتطور وتصبح قادرة على المنافسة بمواجهة المفاعلات العاملة بواسطة الفحم والمدعومة من مجموعات الضغط في العديد من الولايات الأميركية.
ثم إن التكنولوجيات الجديدة تواجه في الواقع ثقافة أميركية تأسست أصلا على السيارات الضخمة والمساكن الهائلة التي تفوق مساحتها مئات الأمتار والاستهلاك المفرط للطاقة. وكتاب حاز على جائزة الكتاب الاقتصادي بفرنسا لعام 2009.
الجديد يجذب
تشير المؤلفة أن «قوة جذب الجديد» لا تعمل فقط بالنسبة لأولئك الروّاد الذين ولجوا دروب الصناعة «النظيفة»، ولكنها تعمل أيضا لدى الأميركيين من المستثمرين أو البشر العاديين الذين يحاولون سبر إمكانيات جديدة لتوظيف أموالهم. ويقدم المؤلف مجموعة من الأمثلة على أولئك الذين كانوا قد كسبوا كثيرا من شبكة الانترنت، وهم يبحثون اليوم عن «حدود جديدة لنشاطاتهم».
المؤلفة في سطور
تعمل دومينيك نورا، صحافية بقسم الاقتصاد في مجلة «نوفيل اوبسرفاتور» الباريسية. وكانت قد عملت لسنوات مراسلة لعدة مجلات ودوريات فرنسية في الولايات المتحدة. من مؤلفاتها: «المأخوذون بوول ستريت»، و«غزاة عالم الانترنت»، الخ.
الكتاب: روّاد الذهب الأخضر
تأليف: دومينيك نورا
الناشر: غراسيه وفاسكيل ـ باريس 2009
الصفحات: 360 صفحة
القطع: المتوسط
Les pionniers de l'r vert
Dominique Nora
Grasset et Fasquelle - Paris - 2009
P.360