يثير كتاب «موت النزعة المحافظة» لمؤلفه سام تاننهاوس بعدما بلغت ذروة ازدهارها الإيديولوجي في ظل إدارة جورج دبليو بوش حيث أضيف لها صفة «الجديدة» للتأكيد على أنها «انبعاث» جديد لتيار يجد جذوره في الماضي. لكن المؤلف يؤكد على «موت النزعة المحافظة».
ولا يتردد في القول إنه إذا أراد «الجمهوريون» المعتدلون العودة من «الصحراء السياسية» التي أوصلتهم إليها النزعة المحافظة، فعليهم أن يقطعوا مع «الانحراف الليبرالي» العشوائي وأن لا يترددوا في توجيه النقد الواضح للتوجهات التي قادت أميركا إلى ما هي عليه اليوم. ويشير تاننهاوس إلى أن الرئيس الأميركي الجمهوري الأول والأكبر للولايات المتحدة الأميركية «تيودور روزفلت» كان قد دعم وجود حكومة مركزية قوية ولكن على أساس التأكيد على القيم والمبادئ المشتركة لملايين المواطنين مهما اختلفت مشاربهم. ولم يتردد كذلك في توجيه النقد لسياسات المجموعات الكبرى «التروستات» التي تعطي الأولوية لمصالحها الخاصة وليس للمصلحة العامة.
والمثال الآخر ل«النجاح» الجمهوري في القرن العشرين يجده المؤلف في رينالد ريغان الذي يتم اعتباره اليوم أنه كان «الباعث» الأول للانطلاقة المحافظة، أو ما أسماه البعض ب«الثورة المحافظة». ريغان لم يتردد في القول «خاصة للصحافة» أنه قد اقترع دائما حيث رأى المصلحة العامة بعيدا عن أية أفق إيديولوجي ضيّق.
ويعود سام تاننهاوس كثيرا في تحليلاته إلى فترة الثمانينات المنصرمة، وعهد «رينالد ريغان» حيث أدرك الجمهوريون آنذاك، باعتبار أنهم كانوا يمثلون حزب الأغلبية الحاكمة ،أن هناك دينامية اقتصادية جديدة قد بدأت على صعيد الداخل وأنه يمكن «الانتصار» في الحرب الباردة إذا جرى انتهاج سياسة خارجية قوية.
الديمقراطيون لم يفهموا آنذاك ذلك، أما اليوم فما يجري هو العكس تماما، إذ أن الديمقراطيين هم الذين «يفهمون» الدينامية المطلوبة. هكذا انطلقوا بقيادة اوباما، بعملية النهوض الاقتصادي أولا، حيث لا يزال نجاحهم متواضعا، ثم في التصدّي للملف الجوهري المتعلق بالضمان الصحي كي يطال جميع الأميركيين تقريبا. بالمقابل ليس أمام «النزعة المحافظة» أي سبيل الآن سوى الانحسار.
الديمقراطيون هم الذين يقومون بهذين «الإصلاحين» بينما «تخلّى» الجمهوريون عن الساحة وتركوا ل«خصومهم» التاريخيين مهمة «تحضير المستقبل».
وإذا نجح الديمقراطيون في مساعيهم فهذا يعني أنه سيتم تصنيف الحزب الجمهوري في خانة رفض المساعدة على المساعدة في إصلاح نظام معطوب وأيضا رفض العمل كي تشمل «الحماية الاجتماعية» 46 مليون أميركي يفتقرون اليوم إلى مثل هذه الحماية.
النتيجة التي يمكن أن تترتب على مثل هذا الموقف يحددها المؤلف بإمكانية تهميش اليمين الأميركي لمدة جيل كامل، هذا إذا لم يكن أكثر من ذلك. بالمقابل إن الإعلان عن أمنية «فشل اوباما» في «الإصلاحين» المعنيين يصب في خانة «التشدد الراديكالي» الذي يتجاوز النزعة المحافظة نفسها.
وتتردد في تحليلات الكتاب مقولة أنه من أفضل السياسات الممكنة الآن هناك التعاون بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ذلك أن الأغلبية الساحقة من الناخبين ليسوا من الذين تحرّكهم «الإيديولوجيات» وإنما ما يرونه مصالحهم المباشرة. وهم يختارون ممثليهم على قاعدة ما يوحون فيه من ثقة.
هذا ما يدل عليه بوضوح واقع أن الأميركيين قد اختاروا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة «أميركيا» يمثل مزيجا من إفريقيا وهاواي وكينيا وكولومبيا وهارفارد وكان قد عمل لسنوات في مجال الخدمة الاجتماعية بأحياء شيكاغو الفقيرة. لقد انتخبوا، باختصار، ذلك الذي بدا أنه «يتناغم» مع أوضاعهم ومشاكلهم، وأنه استطاع أن يبعث الثقة لديهم.
وفي المحصلة يصل سام تاننهاوس إلى القول أن اليمين الأميركي، ممثلا بالحزب الجمهوري، يجتاز أزمة حقيقية وأنه مهدد بسالموت» فعلا، كما يدل عنوان الكتاب «موت النزعة المحافظة». والسبب الجوهري لهذا التقهقر يحدده في كون أن هذا التيار قد «استنفذ نفسه» واستهلك كل المصادر التي كان يستلهم منها توجهه.
أما المهمة الكبرى الملقاة على عاتقه اليوم فلا يجدها المؤلف في البحث عن «زعيم» جديد ليس على شاكلة «جون ماكّين» مرشحه للانتخابات الرئاسية الأخيرة، ولكن بالأحرى تكمن مهمته الملحّة في البحث عن «قاموس جديد».
المؤلف في سطور
سام تاننهاوس، صحفي أميركي، عمل نائبا لرئيس تحرير النيويورك تايمز ورئيسا لتحرير «ملحق نيويورك تايمز للكتب»، ومعروف عنه أنه كاتب سيرة ومؤرخ. لا ينتمي إلى أي من الحزبين الأميركيين، الجمهوري أو الديمقراطي. من كتبه: «سيرة حياة لويس ارمسترونغ» و«المكارثية ـ نسبة إلى السناتور مكارثي ـ في أميركا» و«سيرة حياة واينكر شامبرز»، الخ.
الكتاب: موت النزعة المحافظة
تأليف: سام تاننهاوس
الناشر: راندوم هاوس نيويورك 2009
الصفحات: 144 صفحة
القطع: الصغير
The death of conservatism
Sam Tannehaus
Radom House New York 2009
144P.