السوفييتي أنه كان أحد أكثر المجتمعات انغلاقا على نفسه. ثم وجد نفسه «مفتوحا» على العالم. كانت هناك أشياء كثيرة مفقودة وفجأة «وجدوها» في ذلك المجتمع. وهذا ما كرّست له الصحفية البريطانية سوزان ريشاردز كتابا تحت عنوان «مفقود وعُثر عليه في روسيا».

لم يكن العالم الخارجي يعرف الكثير عن الاتحاد السوفييتي وراء ذلك الستار الحديدي الذي اختار قادته أن يحيطوه فيه كي لا يصاب بعدوى «الانحلال» الذي تعاني منه المجتمعات الرأسمالية. وكانت الصورة السائدة آنذاك أيضا هي أن المنظومة السوفييتية هي أحد الأكثر صلابة في العالم. بالطبع قلائل جدا هم الذين كانوا يعتقدون بإمكانية انهيارها، على الأقل في المدة الزمنية القصيرة التي حدث فيها ذلك.وما يتم تأكيده أيضا هو أن الروس في المناطق البعيدة المجاورة لنهر الفولغا وفي سيبيريا يناضلون من أجل التوفيق بين تقاليدهم القديمة وبين أنماط الحياة الجديدة.

وهذا ما لاحظته المؤلفة خلال زياراتها العديدة لهذه المناطق البعيدة ومن خلال الصداقات النهائية التي أقامتها مع بعض «البشر الاستثنائيين»، مثل آنّا وناتاشا وتاتيانا وميشا الذين يبحث كل منهم عن سلامه الداخلي ولكنهم وجدوا أنفسهم غير متكيّفين مع العالم الجديد.

ترسم سوزان ريشاردز صورة حياة الأشخاص المعنيين «المغمورين» الذين يمكن تعريفهم بالروس «العاديين» وما كانوا يعانون منه من حياة فيها الكثير من البؤس. في تلك الفترة من بداية التسعينات، حيث كانت الفكرة السائدة في الغرب عن روسيا ويلتسين أنها تعيش حالة من الاحتفال والحفاوة ب«قدوم الديمقراطية والحرية». لقد كانت حياتهم آنذاك «تنهار حولهم»، إلا أنه رغم البؤس وصعوبة مسارات الحياة فالروس متفائلون خلافا لكل «عقلانية».

إن المغامرة الشخصية للكاتبة سوزان ريشاردز في روسيا تمثل أحد الجوانب المهمة في هذا الكتاب. ذلك أن القارئ يجد نفسه أحيانا أمام رواية عن «المغامرات» التي عاشتها في مواقف مختلفة مثل تلك التي عاشتها وهي على ظهر سفينة صغيرة في رحلة نهرية عبر نهر الفولغا، كان قد نظمها أحد «عرّابي» المافيا الروسية.

وتقدّم المؤلفة في هذا السياق وصفا للوحات البصرية وعظمتها التي ينمّ عنها مشهد نهر الفولغا والمدن المجاورة له. وما نعرفه في النهاية هو أولئك الأشخاص الروس من أصدقاء سوزان ريشاردز الذين يحملون أسماء ناتاشا وايغور وآنّا وتاتيانا وميشا وفيرا، والذين كانوا رفاق رحلة قراءة هذا الكتاب لم تكن تلك هي أسماؤهم الحقيقية.

إذ بعد حوالي عشرين سنة من بداية الحقبة ما بعد السوفييتية و«الحرية» لم يمتلك الروس الثقة الكافية كي يعبّروا عن أنفسهم ب«وجوه مكشوفة». والخوف الذي ورثوه من الحقبة السوفييتية لم يزل واقعا قائما وحقيقيا. وبكل الحالات يقدّم هذا الكتاب صورة مرسومة بألوان مجتمع يمرّ في مرحلة انتقالية.

المؤلفة في سطور

سوزان ريشاردز، صحفية بريطانية، مهتمّة بالمسألة الديمقراطية في روسيا. تعمل أيضا في حقل السينما. سبق لها وقدّمت العديد من الدراسات والمقالات عن الفترة الأخيرة من حياة الاتحاد السوفييتي. لها كتاب سابق بعنوان «ملحمة الحياة اليومية»، وهو عن الروس في الفترة الانتقالية بعد الشيوعية.

الكتاب: مفقود وعُثر عليه في روسيا

تأليف: سوزان ريشاردز

الناشر: توريس لندن 2009

الصفحات: 299 صفحة

القطع: المتوسط

Lost and found un Russia

Susan Richards

Tauris - London 2009

299P.