تنبع أهمية المذكرات من أهمية الشخصية التي تسرد مذكراتها، ومن وراء كل سيرة للكاتب هدف معين، ربما يكشف فيه عن جزء لم يسرده في حياته، ربما يضيف، أو يحذف، بحسب تقديره للفكرة، أو تذكره للحدث، بهذا الخصوص قال المخرج السينمائي الإسباني «لويس بونويل» في مقدمة مذكراته: «ربما أضيف ربما أحذف، ربما أكذب بدون قصد لكن عليكم أن تتقبلوني فهذا أنا».
من قبل «بونويل» دارت الكثير من النقاشات حول عدم الصدق المطلق في كتابة المذكرات إذ يقول أحد الفلاسفة «لا يمكن أن يغتسل الإنسان بمياه النهر الجاري مرتين» وكذلك المذكرات عندما يستعيد كاتبها الحدث بنفسية ومشاعر مختلفة عن تلك التي عاشها، وهو ما يجعله يسردها بطريقة قد تكون مغايرة للواقع. ما بين التدوين والمحاكمة: إن فكرة كتابة السيرة الذاتية ارتبطت بالشخصيات البارزة في المجتمع، والتي أثرت بطريقة أو بأخرى فيمن حولها، ويكون هذا عادة عن طريق أعلام السياسة أو الفكر أو الأدب أو الاقتصاد.
وما إلى ذلك من مجالات إبداعية تساهم في بناء المجتمعات. أو في هدمها، فالتجربة تختلف فمن الشخصيات من كان تأثيره إيجابيا، ومنها من كان تأثيره سلبيا. وتحديد الاتجاه بالإيجاب أو السلب ينبع من قراءات حياة الشخصية وحركتها في المجتمع ومن هنا لا يأتي الحكم من قراءة المذكرات بقدر مدى تأثيره على المجتمع.ومهما كان من أمر تبقى الكتابة عن الذات، خطوة مليئة بالشجاعة والجرأة، ولكن يجب إتباع أسلوب أدبي ما، وبالطبع حتى لو لم تمتلك الشخصية أسلوبها وقدرتها على الكتابة لكن عند ظهور الكتاب إلى النور يكون قد مر بكل المراحل الفنية المطلوبة سواء عن طريق دور النشر، أو إعلاميين متخصصين، وهو ما يؤهل الكتاب لتحقيق غرضه من النشر.
وتتوالى عناوين السير الشخصية بعد أن تجرد الإنسان من الأنا والتزم بالموضوعية رابطا الأحداث مع بعضها، لإيضاح جانب ما ربما يكون على حساب جانب آخر أحيانا ليسرد تاريخيا الكثير من الأشياء التي تهتم الناس بمعرفتها عن حياته، بالأخص تلك التي تتعلق بأسرار شخصية، أو بتفسير قرار ما كان قد أتخذه وكان مفاجأة لمن سمعه، أو أمور أخرى.
ويأتي سرد السير الشخصية في إطار الزمان والمكان، ولكن أهمية المكان ربما تتلاشى لأنه قابل للتغير. وقد يصبح مع الزمان مجرد أنقاض، لكن في المذكرات يبدو المكان مسرحا لأحداث الشخصية التي تسرد تفاصيلها.
ومهما قيل من تفاصيل تقنية تبقى في النهاية قيمة الشخصية التي قررت كتابة مذكراتها هي الأهم. إلى جانب عناوين أخرى تمتلئ بها المكتبات العربية والأوربية، منها مذكرات «غيفارا» التي تبدأ قصتها يوم عرضت بوليفا نسخا طبق الأصل لدفاتر كتبها المناضل «أرنستو تشي غيفارا» بخط اليد، وذلك إبان الحملة البوليفية، بعد وفاته في العام 1967 م.
كاشفة أن الرئاسة البوليفية، ستقدم ألفا منها كهدية استثنائية لبعض الشخصيات، وتشمل الدفاتر مفكرة من ماركة ألمانية، ودفتر أحمر دون عليه غيفارا مشاعره، بخصوص رفاق السلاح، وفي شأن الصراع المسلح، الذي كان يقوده آنذاك في جنوب شرق بوليفيا، وتتضمن النسخ مقدمة لزعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو.
وسبق لـ غيفارا أن كتب «يوميات دراجة نارية» أو «من قلب الألم» والتي تحولت فيما بعد إلى فيلم سينمائي أرجنتيني، وفيها يرصد غيفارا رحلته برفقة صديقه الصيدلاني «ألبرتو غرانادو» من الأرجنتين مرورا بتشيلي، ثم بيرو، وكولومبيا، وصولا إلى فنزويلا. والتي تعد رحلة مبكرة لـ غيفارا حددت فيما بعد اختياره لطريقه في النضال.
ومن مذكرات رجال السياسة إلى مذكرات رجال الأدب، منها مذكرات الشاعر التشيلي «بابلو نيرودا» والتي حملت عنوان «أعترف بأنني قد عشت» وصدرت بترجمة وشرح محمود صبح عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. وتأتي أهمية هذه المذكرات من المكانة التي احتلها نيرودا الذي قيل عنه «بأنه لا يمكن أن ينساه الشعر ولو بعد ألف عام» فقد كان في صميم الحياة وليس على هامشها وبين الناس وليس بعيدا عنهم، ولهذا وصفوه بأنه شاعر الحرية الأكبر الذي يردد الناس قصائده في كل مكان بلغات العالم كلها.
كان يقول «أنا أكتب من أجل الفقراء، ومن أجل أيلول» قوة شعره أهلته للحصول على جائزة نوبل للآداب في العام 1971 . واعتبرت مذاكرته من أفضل مائة كتاب صدر خلال القرن العشرين، وفي الكتاب تطرق الشاعر إلى الانقلاب الذي حدث في تشيلي، وكان من نتائجه قتل الرئيس المنتخب، وحرق بيت نيرودا وهدمه.
كما دخل في عميق حياته المهنية والشخصية فقد قضى عمره دبلوماسيا، وسياسيا، وشغل مناصب دبلوماسية لمدة أربعين عاما آخرها سفير بلاده في فرنسا، تزوج ثلاث مرات، وعدت «ماتيلدا» أشهر زوجاته التي رافقته لآخر حياته، ولها كتب ديوان «مائة قصيدة حب» بعنوان فرعي آخر «للحب وماتيلدا والبنفسج» كما ضم الكتاب العديد من التفاصيل والأسرار التي تخص نيرودا، وعلاقته بالشاعر الإسباني «لوركا» ووصفه للمرحلة التي سبقت مقتله، وكيف كانت تحولا جذريا بالنسبة لحياته كلها.
كذلك كان الأمر بالنسبة للمخرج الإسباني لويس بونويل الذي ترجم مذكراته مروان حداد ضمن سلسلة الفن السابع التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة السورية، وتأتي أهمية المذكرات من شرح بونويل لتجربته في الإخراج السينمائي، وتأثره بالحركة السريالية بالأخص في فيلمه «الكلب الأندلسي» ولقاءه مع مشاهير الفن والأدب في عصره أمثال سلفادور دالي، وشارلي شابلن وغيرهما.
كما كشف بونويل عن نواح كثيرة من تجاربه السينمائية، ومدى تأثير الفن السابع على الناس إذ قال «أعتقد أن السينما تمارس نوعا من التنويم المغناطيسي على المشاهد ويكفي للتأكد من هذا، النظر إلى الناس أثناء خروجهم من الصالة بعد مشاهدة فيلم سينمائي، صامتين مطرقي الرؤوس، شاردين، بينما يبدو جمهور المسرح، أو مصارعة الثيران، أو الرياضة، أكثر طاقة وحيوية».
ولم يقتصر كتاب المذكرات على الشخص نفسه بل هناك ما يشبه المذكرات كتبها شخص قريب جدا من المبدع ذاته مثل «حياتي مع بيكاسو» لـ «فرانسواز جيلو» التي عاشت لسنوات طويلة مع الفنان الإسباني الأصل بابلو بيكاسو، وأنجبت منه ولد وبنت، وفي هذا الكتاب تشرح «جيلو» طريقة تعرفها على بيكاسو وحياتها معه، والأهم أنها تكشف عن الكثير من النواحي الشخصية والنفسية التي ميزت الفنان، إلى جانب علاقته بفناني عصره، وطريقة عمله الفنية في مجالي الرسم والنحت.
وهناك سير شخصية كتبت عن طريق باحثين، وطرحت بمستويات مختلفة منها ما يناسب الأطفال والناشئين مثل سلسلة الخالدين التي تتناول حياة الشعراء العرب القدامى، وفناني عصر النهضة وما إلى ذلك من شخصيات، تصبح مادتها دسمة اكثر حين تقدم للباحثين والكبار من القراء.
كتابة المذكرات تخفف الضغوط
أظهرت دراسة أمريكية أن التعبير عن الهموم اليومية في المذكرات الشخصية يخفف من الضغوط النفسية التي تتسبب فيها هذه الهموم..
واستطاع أطباء الأعصاب متابعة ما يحدث في المخ عند تسجيل هذه الهموم من خلال أشعة الرنين المغناطيسي..
وأكد الباحث الأمريكي ماثيو ليبرمان من معهد العلوم النفسية بجامعة كاليفورنيا خلال المؤتمر السنوي للاتحاد الأمريكي للعلوم في شيكاغو والذي يبلغ إجمالي حاضريه نحو عشرة آلاف متخصص من نحو 60 دولة أن أشعة الرنين المغناطيسي تبين منطقة المخ التي تنشط عند تسجيل هذه الهموم في مذكرات شخصية.قام ليبرمان وزملاؤه بالمعهد بعرض صور مستفزة على متطوعين.
وكانت هذه الصور مهيجة لمشاعر المشاركين في التجربة ثم أتيحت لهم فرصة التعبير عن عواطفهم من خلال الضغط على زر كهربائي معين فوجدوا أن هناك نشاطا ملحوظا في منطقة معينة بالمخ أثناء محاولة المتطوعين البحث عن الكلمات المناسبة للتعبير عن مشاعرهم وأن هذه المنطقة هي نفسها التي يتم فيها التخلص من المشاعر السلبية.
وفي الوقت نفسه تبين للباحثين أن نشاط منطقة أخرى بالمخ تراجع وأن هذه المنطقة التي تراجع فيها نشاط المخ هي نفسها التي تعتبر محركا لمشاعر الخوف والغضب والعدوانية. ويرى الباحثون أن صياغة المشاعر الخاصة سواء من خلال زر كهربائي أو بواسطة الكتابة على الورق «يجعل الإنسان أكثر سعادة» حسبما قال ليبرمان.
مذكرات للسينما
«بيونس ايرس» خلفنا وما ذهب معها هو هذه الحياة البائسة؛ المحاضرات غير الملهمة، الأوراق، وامتحانات الطب كل أميركا اللاتينية أمامنا، ومن الآن فصاعداً سنثق فقط بهذه الدراجة ».
هذه الكلمات التي تركها «أرنستو تشي غيفارا لأمه قبل رحلته برفقة صديقه الصيدلاني ألبروتو غرانادو إلى قلب أميركا. ليصدر فيما بعد كتابا عن هذه الرحلة بعنوان «يوميات دراجة نارية» أو من قلب الألم، ولم تقتصر الرحلة على الكتاب بل أغرت منتجي الأفلام لتحويله إلى فيلم سينمائي أرجنتيني قام بإخراجه البرازيلي «والتر ساليس».
وقام بدور غيفارا الممثل المكسيكي «جيل بيرنال» بينما قام بدور «ألبرتو» الممثل الأرجنتيني «رودر ريجادي لاسيرنا» والفيلم ناطق بالإسبانية، والذي أنتج في العام 2004 حاز على 26 جائزة منها جائزة الأوسكار عن التأليف الموسيقي.
مذكرات للكتابة وأخرى للحياة
قال الفنان الراحل فاتح المدارس ردا على سؤال إن كان لديه النية بكتابة مذكراته وكان هذا في العام 1996 «بدأت بكتابة مذكراتي، لكني وجدتها من أصعب الأمور، وأكثرها مشقة أحيانا لأنها تستلزم شرحا هائلا، وتستلزم الصدق المطلق، وكتبت 200 صفحة، وربما أكتب 200 صفحة أخرى لكني حريص جدا أن تكون بالمستوى المطلوب» .
بينما قال الفنان عمر حمدي في رده على السؤال نفسه: «مذكراتي مشوهة، ومبكية، ولا أجد ضرورة بتقديمها لأحد، لأنها وجدت من أجل أن أكون وحدي الضحية، وأنا أعتز بها فهي حياتي، ملامحي وأعمالي».
عبير يونس
