بعد عقود عديدة من نهاية الحرب العالمية الثانية، كان هناك جدار وأسلاك شائكة تقسم القارة الأوروبية إلى «أوروبتين». وكان يضاف إلى ذلك العزل المادي، عزل آخر من طبيعة إيديولوجية بين معسكرين شيوعي ورأسمالي، وعزل ثالث نفسي هذه المرة بين أولئك الذين كانوا يعيشون في ظل أنظمة شمولية استبدادية وبين أولئك الذين كانوا يعيشون في ظل أنظمة فيها قدر من الديمقراطية.

هذا هو التوصيف الذي يقدمه الصحفي البريطاني، ذو الأصل الهنغاري، فكتور سيبستين، في كتابه الذي يحمل عنوان «ثورة 1989» والمكرّس لما يسميه «انهيار الإمبراطورية السوفييتية»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

وبدا للجميع طيلة عقود أن «الحرب الباردة» التي قامت بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية لن تنتهي إلا بعد أمد طويل. وبالتالي لم يكن هناك من يحلم بنهاية قريبة لتقسيم القارة الأوروبية. بل ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أنهم كانوا نادرين جدا رجال الدولة والدبلوماسيون والعسكريون والمفكرون الذين كانت تتولاهم أية قناعة بإمكانية أن تتغير الأمور جذريا في أوروبا وهم لا يزالون على قيد الحياة.

وفي مطلع عام 1989 كانت لا تزال هناك 10 دول أوروبية في وسط القارة وشرقها خاضعة بصورة شبه كاملة للمركز السوفييتي. ولكن في نهاية نفس تلك السنة، 1989، بدأت واحدة بعد الأخرى تغادر الشيوعية وتستعيد استقلالها الوطني وتشرع بولوج الطريق الديمقراطي مثل ذلك التبدل هو الذي يطرح عليه المؤلف توصيف: «ثورة 1989».

وهي الثورة التي جعلت أحد أكثر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ «قسوة» حسب التعبير المستخدم، «تركع على ركبتيها». وليس هذا فقط، بل أصبح أولئك الذين عارضوا النهج الشيوعي من كتّاب وأدباء وفنانين في مواقع المسؤولية ببلدانهم. وليس أقلّهم دلالة «فاكلاف هافل» الذي أصبح رئيسا لتشيكيا بعد انفصالها عن «سلوفاكيا» حيث كانتا قد شكّلتا معا لفترة طويلة «تشيكوسلوفاكيا» الاشتراكية.

ويرى المؤلف أنه في تلك الليلة الباردة من شهر نوفمبر من عام 1989 التي سقط فيها الجدار كانت أيضا هي الليلة الأولى في مسيرة «التئام الجراح المفتوحة للقرن العشرين». وكان ذلك العام هو عام الثورات التي بدت ك«منارات من الأمل بالنسبة للشعوب التي عانت من الاضطهاد» والتي حلمت يومها أنها هي أيضا تستطيع أن تتحرر. هكذا وخلال عدة أشهر فقط عبّرت مجموعة من «الثورات السلمية» أنه يمكن لإرادة الشعوب أن تنتصر على الطغيان.

وكانت تلك الثورات قد غيّرت نمطا كاملا من الحياة وأطاحت بأنظمة فاسدة، هذا فضلا عن نزعتها الاستبدادية. وقد حصل ذلك كله، كما يشير المؤلف، بدون عنف حقيقي، هذا باستثناء عدة أيام ساخنة عرفتها رومانيا عندما أسقط شعبها نيكولاي شاو شيسكو الذي حكمها بقبضة من حديد طيلة عقود. واليوم بعد عقدين من الزمن على سقوط جدار برلين يعود المؤلف لما يسميه «إعادة تقييم» تلك اللحظات الحاسمة من التاريخ الأوروبي الحديث.

ويحتوي هذا الكتاب على قدر كبير من التفاصيل مع رسم صورة للعديد من الشخصيات التي لعبت دورا حاسما خلال الفترة الانتقالية من الشيوعية إلى أنظمة ذات منحى رأسمالي، وعلى رأس هذه الشخصيات ميخائيل غورباتشوف الذي كان بفضل برنامجه ل«الإصلاح» و«الشفافية» هو الذي سهّل تفكك الإمبراطورية السوفييتية دون عنف.

ومن الشخصيات الأخرى التي يتوقف عندها المؤلف هناك البولندي ليش فاليسا، عامل الميكانيك، الذي كان وراء حركة معارضة للشيوعية منذ صيف عام 1980 لتقوم بعدها نقابة «التضامن» وليصبح بعد حين رئيسا لبولندة.

ويعتبر المؤلف أحد نقاط الانطلاق الأولى في مسيرة انهيار المنظومة الشيوعية بتعيين القس البولندي «كارول فوجتيلا» بابا في الفاتيكان تحت اسم «يوحنا بولس الثاني» عام 1978. لكنه يرى أيضا أن جميع المقدمات ما كان لها أن تكون فاعلة، وما كان لأحداث 1989 أن تجري بدون وجود ميخائيل غورباتشوف في روسيا منذ أواسط عقد الثمانينات الماضي. هذا مع الإشارة أيضا في هذا السياق إلى دور العمّال البولنديين وأيضا دور الإرث الذي تركته «ثورة 1951» في هنغاريا والتي سحقتها الدبابات السوفييتية بالحديد والنار ومئات القتلى.

ويولي المؤلف في تحليلاته أهمية خاصة للدور الذي لعبته المعارضة في كل من بولندة وهنغاريا ـ المجر في التحضير للأحداث اللاحقة. وكانت المعارضة البولندية قد توصّلت إلى التفاوض مع السلطة الشيوعية على حقوقها بل وعلى المشاركة في الحكم بظل الجنرال «ياروزلسكي». وكانت المعارضة الهنغارية التي شكّل المثقفون عصبها الرئيسي، قد تجرأت على إعلان مواقف معارضة للنظام الشيوعي في فترة مبكّرة.

ومن أهم ميزات هذا الكتاب هو أنه يقدم رؤية شاملة ـ بانورامية ـ للأحداث التي جرت في عدة بلدان من أوروبا الوسطى والشرقية ـ الشيوعية سابقا. وبدت كلها تسير باتجاه مخرج واحد بالنسبة لها كلها، رغم التباينات الكبيرة في واقعها الوطني وفي مساراتها التاريخية.

كان ذلك المخرج هو الخلاص من الشيوعية. وقد كانت الحالة الرومانية مع تشاوشيسكو، الذي يكرّس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن تجاوزاته، هي حالة العنف الوحيدة تقريبا. بينما كانت الثورات الأخرى «برتقالية» أو «وردية»، وبكل الحالات دون عنف.

ولا شك أن هذا الكتاب يساعد كثيرا على فهم أحداث جرت قبل حوالي 20 سنة. وهي لم تغيّر تاريخ أوروبا فقط ولكن أيضا تاريخ العالم.

الكتاب: ثورة 1989

تأليف: فكتور سيبستين

الناشر: ودنفلد ونيكسون لندن2009

الصفحات: 480 صفحة

القطع : المتوسط

Revolution 1989

Victor Sebestyen

Weindenfeld and Nicolson - London 2009

480P.