إن المؤلف يدرس ما يسميه «الصراع على السلطة» بين الإمبراطوريتين «الكبيرتين»، الأميركية صاحبة القوة العسكرية الأعظم في عالم اليوم و«دولة الفاتيكان ممثلة الكنيسة الكاثوليكية ورأسها وصاحبة النفوذ «الأخلاقي» على العالم الكاثوليكي. وتتم دراسة هذا كله على ضوء المعطيات التي حصل عليها المؤلف من الأراشيف السرية للفاتيكان التي استطاع أن يحصل على استثناء الوصول إليها وأيضا من العديد من المصادر الأميركية الخاصة. ويتم توصيف العلاقات بين «الإمبراطوريتين» منذ البداية أنها مزيج من التحالفات ومحاولات الاستغلال المتبادل وبحيث أن هذه العلاقات جسّدت إلى حد كبير التوترات الدينية والسياسية التي عرفها العالم الذي نعيش فيه.
ويبحث المؤلف في العلاقات بين الطرفين منذ أن أصبح للفاتيكان ممثلية دبلوماسية في الولايات المتحدة في سنوات الثمانينات من القرن الثامن عشر. ومن هنا يأتي تبرير عنوان الكتاب الفرعي الخاص بقرنين من تاريخ التحالفات والاستغلال المتبادل والأفكار الخاطئة.
وما يتم تأكيده في تحليلات هذا الكتاب هو أن الولايات المتحدة الأميركية عرفت في القرن التاسع عشر نوعا من نزعة العداء ضد الكاثوليكية، وقد استمرت عمليا في القرن العشرين بحيث أن جون كندي هو أول رئيس كاثوليكي ينتخبه الأميركيون. لكن ذلك لم يمنع واقع أن الولايات المتحدة وبابوية الفاتيكان دخلتا في تحالف وثيق من أجل مواجهة المد الشيوعي خلال فترة الحرب البادرة. ومع ذلك بقي التاريخ بين الطرفين يسوده الكثير من الغموض حتى إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية الكاملة بين الطرفين عام 1984.
لكن إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية لم تمنع واقع استمرار الخلاف في وجهات النظر بعد ذلك. الأمر الذي ظهر بوضوح عبر معارضة الفاتيكان عمليا للحرب الأميركية ضد العراق في ربيع عام 2003. وبهذا المعنى يقدّم المؤلف الفاتيكان على أنه قوة فاعلة رئيسية «مستقلّة» على المسرح العالمي تحت غطاء وباسم السلطة الأخلاقية التي يتمتع فيها بحيث أنه لم يكن بعيدا أبدا عن السياسة بشكل كامل، بل وكان انتخاب القس البولندي بابا للفاتيكان تحت تسمية يوحنا بولس الثاني، بمثابة فعل سياسي كبير الدلالة.
ويشير ماسيمو فرانكو في سياق التأريخ للعلاقات بين الطرفين إلى تلك الزيارة «شبه الرسمية» التي قام فيها القس غيتانو بيديني، أحد دبلوماسيي الفاتيكان، إلى الولايات المتحدة عام 1853، وبهذا المعنى لا يؤرخ لقرنين فقط ولكن ل230 سنة أخيرة. لقد مثّلت تلك الزيارة أول اتصال على مستوى عالٍ.
لكن قوبل ممثل الفاتيكان بكثير من الحذر في أميركا على خلفية الشك بعداء الكنيسة الكاثوليكية للبروتستانتية، ذات الحضور القوي الكبير في أميركا. هذا فضلا عن أن اللبراليين الأميركيين كانوا يريدون الاحتفاظ دائما بهامش كبير من الاستقلال الذاتي في العلاقة مع الفاتيكان بينما كان المحافظون هم الأكثر ميلا نحو إقامة علاقات وثيقة بين الطرفين.
وكان أول نجاح دبلوماسي للفاتيكان في أميركا هو تعيين القس فرانسيسكو ساتولي ك«مفوّض كنسي» في الولايات المتحدة خلال سنوات 1893 ـ 1996. وكان ذلك القس قد دعا مستمعيه في المؤتمر الكاثوليكي الأميركي إلى أن يتقدموا إلى الأمام وهم «يحملون الكتاب المسيحي المقدس بيد وباليد الأخرى دستور الولايات المتحدة». ذلك في ظل قناعة سائدة آنذاك أن الولايات المتحدة تحمي نفسها من التدخل البابوي بواسطة «روح الدستور وإخلاص أولئك الذين يحرسونه».
كان قصد ساتولي عبر المساواة بين المبادئ الأميركية ومبادئ الإنجيل هو محاولة «فتح ثغرة» في النزاع الذي كان يفصل بين واشنطن والفاتيكان. مع ذلك ورغم تلك الدعوة التصالحية لممثل البابا فإن الخشية من تأثير الكنيسة الكاثوليكية على الدور البروتستانتي الراجح في أميركا دفع جميع الرؤساء في البيت الأبيض، بمن فيهم جون كندي، الكاثوليكي، إلى الاحتفاظ بمسافة في العلاقة مع الفاتيكان. هكذا لم يتجاوز التمثيل الدبلوماسي حدود «المفوض الكنسي» ولم يصل إلى مستوى السفراء أغلبية القرن العشرين.
وكانت الحرب العالمية الثانية فرصة لقيام «علاقات عمل» بين الطرفين. ذلك أن الرئيس روزفلت أدرك أهمية الفاتيكان ك«مركز» للاستماع إلى ما يجري في العالم. كما أدرك أهمية الدعم الكاثوليكي لإدارته. هكذا استخدم في عام 1940 قضية اللاجئين الدوليين كغطاء لتعيين «ميرون تايلور» كممثل شخصي له لدى الحبر الأعظم. ويؤكد ماسيمو فرانكو أن ذلك الحس العملي هو الذي نجح في إقامة علاقات دبلوماسية كاملة عام 1984.
وكان رونالد ريغان قد أدرك آنذاك إمكانية المساعدات الكبيرة التي يمكن أن يقدمها البابا يوحنا بولس الثاني في المعركة مع الاتحاد السوفييتي. هكذا أصبح «وليام ويلسون» هو أول سفير للولايات المتحدة لدى الفاتيكان الذي اختار القس بيو لاغي سفيرا له في واشنطن. وبهذا المعنى أصبح الفاتيكان عنصرا هاما في السياسة الخارجية الأميركية.
لكن المؤلف يؤكد على الخلاف الكبير بين واشنطن والفاتيكان حول حرب العراق. نقرأ: «لقد انزلقت الولايات المتحدة نحو نزعة أحادية قطبية اعتبرتها الأمم المتحدة والفاتيكان تطورا سيئا في العلاقات الدولية وإعلانا عن تدهور العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي» ثم يضيف: «إن الولايات المتحدة والفاتيكان، أي الإمبراطوريتين المتوازيتين للغرب، كانتا في عالمين متباينين».
الكتاب: إمبراطوريتان
بالتوازي
تأليف: ماسيمو فرانكو
الناشر: دوبلداي بوك
نيويورك 2009
الصفحات:240 صفحة
القطع : المتوسط
Parallel Empires
Massimo Franco
Doubleday Books N.Y.2009
240P.