كتاب «أغاني الأفراح في الدلتا» للدكتور محمد حسن غانم ليس مجرد تجميع للنصوص، رغم أن هذا في حد ذاته جهد مشكور، وإنما هو تجميع من وجهة نظر باحث اجتماعي تشغله الظاهرة الاجتماعية، فيحاول النفاذ إلى جوهرها بالدرس والتمحيص والتدقيق، إلا أنه في هذا الكتاب آثر أن يؤجل الدراسة ويقدم النص، ولعله وجد أن الدراسة ملحق عليها، أما العثور على النص الفولكلورى، فإنها فرصة يجب اهتبالها قبل ضياعها، ثم إنه لم يكن سلبياً، بل قام بجهد علمي في ضبط النصوص وتدقيقها، وذكر ما تيسر له عن مناسبتها وعن خلفياتها الاجتماعية والثقافية.
وترسم النصوص صوراً متعددة من حياة الطبقة المتوسطة في شقيها الزراعي والتجاري، وهي تقود الذوق العام فيمن هم دون الطبقية. وإذا كانت النصوص كلها خاصة بالأفراح فإن مضمونها الاجتماعي يتجاوز المناسبة ليعكس أحلام الناس وبساطتها الأسرة حتى وهي متواضعة الطموح. يقول د.محمد حسن غانم إن كلمات أغاني الأفراح تثير العديد من القضايا التي تحتاج إلى بحث ودراسة وخاصة هذه التساؤلات: أولاً: كيف استطاعت القرية والتجمعات الشعبية أن تعبر بالأغاني عن رغباتها المختلفة وبنفس هذه الكلمات التي (تم نحتها) من واقع الحياة المعاش؟
ثانياً: ما هي المحرمات التي حاولت أغاني الأفراح أن تقترب منها دون أن تدخل في صدام مع (الرقابة الشعبية) وخاصة تلك الأغاني التي تفوح منها رائحة الجنس.
ثالثاً: موقع أو أدوار بعض الأفراح في منظومة الأسرة، فعلى سبيل المثال نجد أن (الحماة) قد حصلت على أعلى نسبة عداء في كلمات الأغاني من قبل العروسة، ورغبتها في أن ينحاز لها زوجها ويهمل والدته..
وما هو موقف (الشعور الجمعي) من هذا العدوان الواضح الصريح على أحد أفراد المجتمع أو بديل الأم (خاصة بالنسبة للعروس) عن كيف تتقبل (الحماة) مثل هذه الكلمات، ولماذا نجد في المقابل كلمات عدائية موجهة من (الحماة) إلى زوجة الابن، أم أن (الحماة) توافق على الوضع الراهن.. وترفض أن تدخل في (جدل أو حوار ديالكتيكي) لن ينتهي إلا بمزيد من الشقاق وهدم كل أواصر الود.
رابعاً: الأصل والحب والنسب ومكانة العائلة.. وهل هذه (الثوابت) مازالت ثابتة أم اعتروها (التغيير) وتغير الاتجاهات تحت مطارق الإعلام والزيف (النقودي).. إلخ هذه العوامل.
خامساً: (العرض والشرف) وكيف أن الفتاة حين تحفظ شرفها (ويسيل الدم ـ الذي هو عنوان للشرف) يكون ذلك مدعاة للفخر بل ودخول أسرتها فى حالة نشوى وامتنان (كما سيتضح من بعض أغاني هذا الكتاب)، وهل قيمة الشرف مازالت ثابتة أم اعتروها التغيير؟
سادسا مكانة المرأة التي تلد ـ مقارنة بالمرأة التي لا تلد، والمرأة التي تلد إناثاً فقط في مقابل المرأة التي تلد ذكوراً وهل تستمر حياة المرأة إذا أنجبت إناثاً فقط أو حتى إذا لم تنجب؟ وهل مثل هذه (القيمة التي تحدد قيمة ومكانة المرأة) ثابتة أم أصابها التغير؟
سابعا: ما هي القيم والعادات والتقاليد والاتجاهات التي تبثها أو تزرعها هذه الأغاني الشعبية في وجدان المتلقي؟ وغيرها من التساؤلات.
ويضيف د.غانم: قصتي مع هذه الأغاني والاهتمام بجمعها قصة أظن أنها مشتركة وتتماشى مع كثير من الأفراد الذين هم من نفس جيلي أو يسبقونني قليلاً في العمر، إذ كان قبل الفرح على الأقل بأسبوع تنشط حركة النساء والفتيات ويجتمعن كل ليلة، وتمسك إحداهن «الطبلة» ثم تندمج في الغناء..
فإذا بكل النسوة الحاضرات وقد أصابتهن «لوثة الطرب..»، فلا تتوقف من تغنى ولا تكف من «تطبل» ولا تهمد من تبرعت بالرقص، وكنت كطفل اندمج في هذه الدائرة وأنا صغير ـ آنذاك ـ لا يأبهون لوجودي لأنني لا أمثل لهن خطراً، ناهيك عن أن علامات. الطرب والإعجاب) إلى درجة الذوبان تجعل النساء يغفلن عن أمري، وأحياناً ما كنت أنخرط في «جوقة الطرب» وأحياناً «أرقص» أو حتى «أغنى» مما أحفظه من المرات السابقة..
ومع تقدمي في السن قليلاً.. ومراحل الدراسة وحشو المخ بأشياء لابد أن أواجهها وأمتحن فيها.. أصبحت الأفراح وأغانيها في أماكن بعيدة في ذاكرتي ـ غصباً.
لاحظت أنه مع بداية الثمانينات تقريباً من القرن الماضي، حتى وجدت الـ D.G يغزو الأفراح وأن النسوة يذهبن إلى أم العروس أو العريس يدفعن «النقوط» ثم يسرعن عائدات (لمتابعة مسلسل التليفزيون في الغالب وأشياء أخرى).. وانطفأ ذلك البريق الذي كان يتوهج فناً وتلقائية وسعادة وإبداعاً، ولذا سارعت إلى تسجيل هذه الأغاني قبل أن تندثر وتصبح في خبر كان.. وأرجو أن أتمكن في المرات القادمة من الذهاب إلى أماكن (أبعد من الدلتا) لتسجيل هذه الأغاني.. وكم كانت سعادتي حين أعثر على نص أو تغنيه فتاة أو امرأة تكون مقتنعة بما أفعل، وأنجح في إثارة دافعيتها للغناء كي أسجل، وأتهلل فرحاً وحبوراً وأنا أكتب ما تغنى.
ويذكر الكاتب أنه تم جمع هذه المادة من محافظات القليوبية، المنوفية، الشرقية، طنطا، وبعض الأماكن في القاهرة مثل: مدينة السلام، 15 مايو، وبعض أماكن في محافظة الجيزة مثل: إمبابة، الوراق، البراجيل، وقد حرصت على التسجيل من خلال تواجد أكثر من فتاة أو امرأة يجدن هذا الفن.. وكن يذكرن بعضهن البعض.. وانتظر حتى يتفقن على بدايات النص.. وإذا اختلفن أعطى لهن مزيداً من الوقت للاستقرار على رأى وأنا أحدث نفسي قائلاً «لعل اختلافهن رحمة».
الكتاب: أغاني الأفراح في الدلتا
تأليف: د. محمد حسن غانم
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2009
الصفحات: 387 صفحة
القطع: المتوسط
محمد الحمامصي