يعتبر الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان بمثابة ملهم الثورة الأميركية المحافظة الجديدة التي كان الرئيس السابق جورج دبليو بوش يقول بالانتماء إليها. والمؤرخ الأميركي والأستاذ في جامعة برنستون لمادة التاريخ الأميركي المعاصر سين ويلتز يقدم كتابا جديدا عن سنوات رونالد ريغان في الحكم التي لا تزال آثارها ماثلة حتى الآن.
ومن هنا يدل العنوان الفرعي للكتاب أنه تأريخ لسنوات 1974 ـ 2008، أي منذ الفترة التي سبقت وصوله إلى السلطة واستمرّت بعد وفاته عام 20004.
ويبدأ المؤرخ اللبيرالي تحليلاته لعهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان. ذلك على اعتبار أن الملامح الأولى لذلك العهد قد بدأت عمليا في ظل رئاسة جيمي كارتر ولم ينته تماما إلاّ مع نهاية رئاسة جورج دبليو بوش. وبهذا المعنى يمثل الكتاب عملا تاريخيا بعيدا عن روحية الجدل وإصدار أحكام القيمة أو القيام بتحقيق صحافي.
وبالتالي يشير أيضا أنه لن يقدّم في هذا العمل الكثير من المعلومات الجديدة. هذا خاصة أن الوثائق الرسمية عن ريغان في البيت الأبيض لا تزال قليلة جدا.
ومن المحطات التي يرى مؤلف هذا الكتاب أنه كان لها أثرها في صياغة المبادئ السياسية لنهجه اللاحق انحيازه إلى القرارات التي كان سعى إليها السناتور الأميركي جوزيف مكارثي الخاصة بملاحقة أولئك الذين كانوا يمارسون نشاطات معادية لأميركا وعلى رأسهم الشيوعيون.
كانت مهمة ريغان، الممثل السينمائي آنذاك، هي الكشف عن النفوذ الشيوعي في هوليود.
وهذا ما يرى فيه المؤلف مناخا مناهضا للاتحاد السوفييتي كان سائدا في أميركا خلال سنوات الخمسينات من القرن الماضي واستمرّ مع ريغان عندما أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأميركية. ولم تتغير مواقفه الحاقدة على الشيوعية منذ تلك الفترة. وقد كان هو أوّل رئيس استخدم تعبير «إمبراطورية الشر» وقصد بذلك الاتحاد السوفييتي السابق.
وفي عام 1980 حظي رونالد ريغان بترشيح الحزب الجمهوري له لخوض الانتخابات الرئاسية التي جرت في خريف ذلك العام وفاز فيها كي يبقى في البيت الأبيض مدّة فترتين رئاسيتين. ويذكر المؤلف أن الآراء تتفق على القول ان فشل الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر في الوصول إلى حل مشكلة الرهائن المحتجزين في طهران قد لعب دورا كبيرا في هزيمة كارتر وفي فوز ريغان الذي كان أكبر رؤساء الولايات المتحدة سنا في تاريخها حيث كان يبلغ السبعين من العمر عند فوزه في تلك الانتخابات. وعندما كان عمره 84 سنة أعاد الأميركيون انتخابه لفترة رئاسية ثانية.
ويعيد المؤلف إلى الذهن محاولة الاغتيال التي تعرّض لها رونالد ريغان بعد 69 يوما من توليه مهام منصبه الرئاسي رسميا. لقد أُصيب الرئيس بجراح طفيفة. ويُنقل عنه قوله عندما دخل إلى قاعة العمليات من أجل استخراج الرصاصة قال للجرّاحين:» أتمنى أن تكونوا جميعكم من الجمهوريين» فأجابه رئيسهم وكان ديمقراطيا لبيراليا» «سيادة الرئيس كلّنا ديمقراطيون اليوم».
إن العديد من المؤرخين والمحللين يرون في الرئيس ريغان المنتصر الحقيقي في الحرب الباردة بين الغرب والشرق والتي حكمت إلى درجة كبيرة العلاقات الدولية طيلة عقود طويلة. لكن تبقى مبادرة «حرب النجوم»، وهي التسمية التي سادت للدلالة على «مبادرة الدفاع الإستراتيجي» الرامية إلى إقامة منظومات من الصواريخ الدفاعية بقصد تحصين الولايات المتحدة من هجمات صاروخية نووية سوفييتية.
إن المؤلف يقدّم ريغان كـ «مزيج من المبادئ الثابتة ـ الجامدة ـ ومن الحس العملي ـ البراغماتي ـ وخاصّة من الأساطير». ويسمّي هذا المكّوّن الخاص بالأساطير في موقع آخر بـ «المثالية الطوباوية» لريغان. لكن ذلك لم يمنعه من القول ان ريغان هو «اكبر إصلاحي محافظ غيّر الأسس التي تقوم عليها السياسة والحكم في الولايات المتحدة الأميركية».
باختصار يصل المؤلف إلى نتيجة مفادها أن عهد الرئيس ريغان عرف زيادة ثراء الأثرياء وزيادة فقر الفقراء. وزاد العجز في الميزانية إلى مستوى لم يكن قد عرفه من قبل. أمّا النهوض الاقتصادي الذي عرفته أميركا في عهده فتتم إعادته أساسا إلى الانخفاض الكبير في أسعار مواد الطاقة منذ عام 1985.
ومن الأفكار «السلبية» التي يتم التركيز عليها في عهد ريغان هناك عملية «تسييس» عملية تعيين القضاة على المستوى الفيدرالي وتفريغ القوانين الخاصّة بحماية البيئة من محتواها ونفس الأمر بالنسبة للحقوق المدنية. ولم تحظ الصحّة في عهده، وخاصة اتخاذ إجراءات لمكافحة مرض «الأيدز» الذي كان من الأكثر بروزا في السنوات الأخيرة من رئاسته، ما تستحقه من اهتمام.
ويكتب ويلتز أن «عقيدة ريغان ساهمت في ارتكاب حمامات من الدم في أميركا الوسطى حيث قُتل حوالي 200000 شخص في السلفادور ونيكاراغوا وغواتيمالا في معارك ضد اليسار أو عبر دعم أنظمة يمينية دون أن يكون لذلك أي تأثير على مآل الحرب الباردة».
وفي المحصلة لا يرى المؤلف أن المهم هو ما فعله ريغان أو ما لم يفعله. لكن المهم هو «الريغانية» نفسها «المنشّطة لمنظور أميركي للمستقبل مفتوح بلا حدود أمام أولئك الذين يصممون على النجاح».
الكتاب: عهد ريعان
تأليف: سين ويلتز
الناشر: هاربر نيويورك ـ 2009
الصفحات: 564 صفحة
القطع: المتوسط