يرى كتاب «مصر في الحرب العالمية الأولى» لمؤلفته لطيفة محمد سالم أن مصر فى الحرب العالمية الأولى تعرضت لظروف صبغتها بصبغة خاصة أثرت في تاريخها، فبإعلان الحرب ودخول إنجلترا فيها كان عليها أن توجه سياستها وفقاً لمصالحها على الأرض المصرية، فسيطرت عليها، وأصبحت كل الإجراءات التي اتخذتها مصر بناء على رغبة الدولة المحتلة، فأدخلتها الحرب بجانبها دون مقابل.

ورأت إنجلترا أن الفرصة التي تنتهزها قد حانت بتغيير وضع مصر السياسي الذي أقرته معاهدة لندن وفرمانات السلطان العثماني، فأنهت السيادة العثمانية نهائياً، وأعلنت حمياتها عليها من غير سند قانوني، وعزلت الخديو عباس حلمي الثاني الذي كانت لا ترتاح إليه، وعينت السلطان حسين كامل بدلاً منه، فكان أول حاكم لمصر في ظل الحماية، وتبعه أحمد فؤاد فى المنصب. وعانت مصر فى عهدهما أشد المعاناة، وتحكم المندوب السامي البريطاني فيها، خاصة بعد أن ظهرت أهميتها الحربية.

وأكد الكتاب أن خيبة الأمل كانت مصير مصر بعد انتهاء الحرب: انتهت الحرب ورددت الشعوب المغلوبة على أمرها مبادئ ولسون الأربعة عشر المتعلقة بحق الأمم فى تقرير مصيرها، والتي أيدتها إنجلترا وفرنسا فى تصريحهما المشترك، وأحست مصر أن الوقت قد حان لتنال ما تريد ولتكافأ عما قدمته لإنجلترا وحلفائها طوال فترة الحرب، وخرجت فكرة تأليف الوفد لعرض القضية المصرية على مؤتمر الصلح أو على الأقل للتفاهم مع لندن في مستقبل مصر، ولكن جاء الاعتراف الدولي بالحماية البريطانية على مصر ليحطم الأمل في الحصول على العدالة.

وهذا كله فضلا عن أن هذه الحرب غيرت مجرى الحياة الاقتصادية فى مصر، فاستُصدر النقد الورقي ـ بعد أن انخفضت قيمة الذهب وقل استيراده ـ وازدادت كميته تبعاً للظروف التى مرت بها البلاد. فالجيوش البريطانية مرابطة، وسعر القطن غير ثابت، فانخفضت قيمته ونشأ التضخم المالي، كما أصبح إصدار هذا النقد مضموناً بأذونات الخزينة البريطانية.

وبذلك انتمت العملة المصرية إلى الإسترليني، وظهر العجز فى مجالات متعددة، وامتنعت البنوك عن التسليف على القطن، وأغلقت بورصة مينا البصل، وتوالت الحجوزات على الأهالي وانتزعت ملكياتهم لتُحصل ضرائب الحكومة، التي خفضت المساحة المنزرعة قطناً وأحلت المحبوب محلها لتموين القوات البريطانية، وما لبث أن احتكت إنجلترا محصول القطن، وحددت سعره بنصف السعر المتداول، وبالنسبة للإنتاج الحيواني فتعرضت مصر لأزمته لانقطاع الوارد ولتموين القوات العسكرية، وللأمراض التى هاجمته.

وتطرق الكتاب لتأثير الأوضاع السياسية والاقتصادية على المجتمع والتي تفاوت بين الطبقات فهناك من استفاد من الحرب وكانوا قلة معظمها من الأجانب، أما السواد الأعظم من المصريين، فقد قاسى الأمرين وبخاصة المثقفون والعمال والفلاحون، واتسم المجتمع المصري فى هذه الفترة بأمراض اجتماعية أثرت فيه.

وكان على مصر بعد أن أصبحت طرفاً فى الحرب دخول ميدانها، فعلى أرضها عسكرت الجيوش، ودارت العمليات الحربية بعد أن صارت قاعدة أساسية فى الشرق الأدنى، وخرجت منها الحملات العسكرية، وكان للجيش المصري مجهوداته فى رجحان كفة إنجلترا وحلفائها. وليس الجيش فقط، وإنما كذلك الرديف، وتلك الفرق التي تشكلت من العمال والجمَّالة للخدمة فى الشرق وفرنسا والدردنيل. ولم تكتف السلطة الإنجليزية بذلك، بل أجبرت مصر على تلك المساعدات الاقتصادية فى جميع الأموال والدواب والمحاصيل والاستيلاء على المباني والأراضي، وما ألزمت به المصالح.

وقد أوضحت لطيفة محمد سالم عن أن سبب اختيارها لموضوع الدراسة أنه لم يسبق أن أخضع لمنهج علمي ألمَّ بمختلف الجوانب، وأضافت: حقيقة هناك كتابات مرت على تلك الفترة، لكنها لم توفها حقها، ومثَّلت مجرد المدخل لثورة 1919. ومن ثم كان لابد من دراسة متأنية، تغوص في الأعماق لتصل إلى الجذور، لا تقتصر فقط على المعالجة السياسية، وإنما تفتح أيضاً النوافذ على المجتمع المصري، لترصد التفاعل الذي سرى بين جنباته.

الكتاب: مصر في الحرب العالمية الأولى

تأليف: د. لطيفة محمد سالم

الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2009

الصفحات: 445 صفحة

القطع: الكبير

محمد الحمامصي