يتجاوز تخصصات عبلة حنفي إلى تسع مجالات تصب كلها في فن تربية الطفل بدءاً من سيكولوجية الفن وانتهاءً بسيكولوجية رسوم الأطفال، فالفن برحابة عالمه هو وسيلتها لكشف وقراءة وتحليل ما يدور داخل عقول وقلوب أطفالنا وحولها.

اهتمامك بالطفولة هل تواصل من الماجستير والدكتوراه إلى أبحاث أخرى؟

أغلب بحوثي ودراساتي صبت في هذا الاتجاه، حيث قدمت مجموعة من البحوث المرتبطة بإنتاج الطفل وإبداعاته، وشاركت في مؤتمرات محلية ودولية باللغتين العربية والإنجليزية، وأخذت مجموعة من الأطفال العاملين في مجالات مختلفة مثل المصانع والورش وقارنت رسوماتهم مع رسومات أطفال منتظمين في الدراسة، أيضاً بحثت حول كيفية رسوم الأطفال لذويهم ونلت عن هذا البحث جائزة المجلس البريطاني للشرق الأوسط، ومما أظهرته نتائج البحث أن الطفل المصري يولي الأم اهتماماً كبيراً في رسومه، من حيث حجم الأم الذي يكون أكبر من باقي أفراد الأسرة، بالإضافة إلى احتلالها مكان الصدارة في الرسم، وتحظى أيضاً بتفاصيل أكثر من غيرها.

الرسم كوسيلة تنفيسية.. كيف يكون ذلك؟

الكثير من الضغوط الاجتماعية التي يتعرض لها الإنسان تحتاج منه إلى تفريغها والتنفيس عنها من وقت لآخر حتى تستقيم وتتزن حياته النفسية، ومن هذا المنطق فكرت في طبيعة الدور التنفيسي للفن لدى الإنسان وبخاصة في مراحل عمره الأولى منذ دخوله المدرسة إلى حين تخرجه منها، وأثبت البحث أن الرسوم تسقط ما لدى الإنسان من مكبوتات وأفكار وصراعات بطريقة سوية.

وأن هذا الإسقاط يتم بصورة أكبر لدى الأطفال الأصغر سناً، ومن المعروف أنني في خلال عملي ألجأ بعد انتهاء الأطفال من رسوماتهم أدير حواراً معهم لمعرفة الدلالات النفسية المرتبطة بهذه الرسوم لدى الطفل ذاته، وكان هناك طفل يرسم أيدي أشخاصه وكأنها ورقة من أوراق التين الشوكي، فالأصابع متناثرة مثل الشوك في اليد، وكان يتميز بكثرة الحركة والعنف الشديد مع زملائه، وحينما وقع عليه الاختيار ليستمر معي لاستكمال البحث بادرني قائلاً: والله يا أبله أنا ما عملت حاجة، فسارعت بطمأنته بأن رسومه أعجبتني، لهذا أنبه الأهل أنه ينبغي التنفيس عن الأطفال.

هل هناك فروق واضحة بين الولد والبنت في الرسم؟

هذا أيضاً كان موضوعاً لأحد أبحاثي، وكان على مجموعتي البنات والبنين رسم ثلاثة موضوعات الأول حول العلاقات الاجتماعية لدى الجنسين في الأسرة، والثاني موضوع ارسم «نفسك في المرآة» والثالث حول طبيعة العمل الذي يفضله كل جنس، حيث طلبت رسم إنسان يعمل.

والنتيجة أن رسوم البنات بصفة عامة جاءت أكثر زخرفية ونظافة ودقة في الأداء من رسوم البنين، وجاءت رسوم البنين أكثر تعبيرية بمعنى القدرة على عكس انفعالات الأشخاص من رسوم البنات، أيضاً الأشخاص في رسومات البنات ثابتة على مرحلة عمرية معينة هي الشباب ونادراً ما رسمن أشخاصاً كبار السن، أما البنين فكان المدى العمري لأشخاصهم أوسع، أيضاً البنات لم يكن عندهم الرغبة في العمل بنفس كفاءة البنين فكثيراً ما رسمن الشخص الذي يعمل ذكراً وليس أنثى، وهو أمر لم يحدث في رسوم البنين إلا نادراً، أقصد قيامهم برسم سيدة تعمل.

هل تعتقدين أن الأسرة العربية بحاجة إلى إعادة صياغة مفهومها الجمالي للفن؟

أكيد، لأننا نعتبر الفن رفاهية، حتى على مستوى العملية التعليمية التي من المفترض أن تكون أكثر وعياً تربوياً وثقافياً ينظر للفن والتربية الفنية على أنها مقتصرة على فئة من الأطفال الموهوبين، لذا كثيراً ما تلغى بعض حصص التربية الفنية من المدارس ويتم تحويلها إلى مواد أخرى بحجة أن الطلبة أكثر حاجة لهذه المواد، كما أن الأسرة حينما يمارس أطفالها الفنون من رسم وخلافه كثيراً ما تنهرهم، بحجة أنها مضيعة للوقت، وهذا خطأ كبير، لأن الإنسان منا سواء كان موهوباً أو عادياً يحتاج إلى التنفيس عن ذاته من خلال هذه الممارسات الفنية.

كما أننا نحتاج إلى قدر من الثقافة الفنية التي لا تقل أهمية عن أي نوع من الثقافات والعلوم التي يتلقاها الإنسان داخل المدرسة أو الأسرة، فالثقافة الفنية لها تأثير واضح في حياة الشعوب لما تضفيه من أجواء إيجابية على ما حولها في البيت والشارع وما تسببه من انعكاس على المظهر العام للعمارة والملبس، فأين نحن مما نشهده في الشارع أو مؤسساتنا أو حدائقنا من فوضى جمالية، وهذا يرجع في المقام الأول إلى عدم وجود وعي جمالي وفني لدى الجمهور، فكم منا يرتاد المعارض أو يستمع للموسيقى أو يذهب إلى المسرح.

إن السبيل للخروج من هذه الفوضى هو التركيز على الدور التربوي لكل من المدرسة والأسرة وتكثيف دور الأنشطة الفنية والاجتماعية والثقافية المختلفة باعتبار أنها لا تقل أهمية في حياة الطالب وسلوكياته عن الأنشطة التعليمية.

بخبرتك في مجال الطفولة كيف نربي أطفالنا فنياً وجمالياً؟

أولاً لابد أن نشعر الطفل بأنه كائن مرغوب فيه، وأن يشعره كل من يحيط به بالأمان والاطمئنان والحب، وألا يقتصر هذا على محيط الأسرة والأقارب بل لابد أن يمتد إلى من يقومون بتعليمه في المدرسة، والتربية الجمالية يجب ألا تقتصر على توفير إمكانيات الممارسة الفنية فحسب بل لابد أن تمتد إلى اكتساب بعض السلوكيات المطلوبة لطفل اليوم ورجل المستقبل مثل القدرة على مواجهة المشكلات وحلها، فالطفل حين يمارس العمل الفني يتعامل مع خامات وأدوات مختلفة يكتسب منها خبرات تدعوه إلى معرفة أن المشكلات ليس لها حل واحد بل حلول متعددة بتعدد الأفراد المتعاملين معها.

ماذا عن دور مدرسي التربية الفنية خاصة وأننا نستشعر أن بعضهم لا يقدرون المسؤولية التي تقع على عاتقهم بالنسبة للأطفال؟

يجب أن يعلم هؤلاء المدرسون أن دورهم مهم وفعال في بناء الإنسان، ويجب ألا يقل دورهم عن دور المدرسين الآخرين، فإذا كانت أي مادة تعليمية الهدف منها تثقيف الطفل وتأهيله للعمل في المستقبل، فالتربية الفنية مثلها مثل أي مواد أخرى تحقق الجانبين التثقيفي والتأهيلي.

محمد الحمامصي