تلم المدن الصغيرة والكبيرة في العالم المتمدن والنامي والمتخلف في آنٍ معاً، تجمعات بشريّة كثيرة وفقيرة، تعيش على هامشها فيما يُعرف بالمخالفات، أو ما دعاه أحد المفكرين باسم (صديد المدن) كناية عن الحالة المأساوية والمذرية والفوضويّة التي يعيشها سكان هذه الضواحي والمخالفات، أو ما دعي أيضاً (حزام البؤس) حيث يفتقد القاطنون فيها، أوليات متطلبات العيش الإنساني المعقول والمقبول.
يصل الحد في بعض هذه التجمعات البشريّة المهمشة النازحة في معظمها، من الريف إلى المدينة أو البلدة، أو من البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية، أو بفعل الحروب والكوارث الإنسانيّة والطبيعيّة، إلى أن تعيش في زرائب، بين تلال النفايات، يأنف حتى الحيوان عن قبولها، ولعل أكثر ما تنتشر هذه الحالة في إفريقيا وأميركا اللاتينيّة وبعض الدول الآسيويّة، وحتى في الولايات المتحدة الأميركيّة التي رغم تطورها الكبير تقانياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً، تلم مدنها وشوارعها، ملايين الفقراء والجياع والمشردين الذين يتوسدون الشوارع والأزقة، فينامون في براميل أو علب كرتون، أو مباشرة على الأرصفة. إضافة إلى العديد من أحزمة البؤس المحيطة بمدنها الكبيرة، حيث البحث المضني عن لقمة العيش في النفايات والسكن بين كثبانها أيضاً، إضافة لانتشار الجرائم والمخدرات.
وتفاقم الإحساس بالغبن والاضطهاد والتمييز العنصري الذي يكرس نوعاً من الحقد المكبوت، القابل للانفجار، في أي وقت، وهو لا يقل خطورة وقوة تدمير، عن القنابل المتطورة!! أسباب مختلفة هذه الحالة الإنسانيّة البائسة، قائمة وموجودة في بلدان العالم كافة، لها أسبابها العديدة والمختلفة. لكن الغريب أنها في تزايد مستمر، وبالمقابل نجد في الضفة الإنسانيّة الأخرى، فئة قليلة موسرة، تتكرس ثروتها الهائلة يوماً بعد يوم، بطرق مشروعة وغير مشروعة، وهذه الفئة تحديداً، هي التي تسيطر على مقدرات العالم، وتتحكم بمصائر الشعوب، والأمم، وتكرس فقرها وبؤسها وحقدها في آنٍ معاً، بل وتبتكر بشكل دائم، وسائل جديدة، لمزيد من النهب والسطو، لجهود الشعوب وثرواتها، وكأنها ستعيش آلاف السنين!!
تجارة الحروب
يأتي تجار الحروب ومشعلوها في مقدمة الفئة الناهبة لثروات الأمم المختلفة، ذلك لأن ثرواتهم الهائلة، تأتي عن طريق إشعال الحروب التي بقدر ما تكثر وتنتشر وتتوسع وتستمر، بقدر ما تتصاعد هذه الثروات التي لا يمكنهم استهلاكها حتى ولو عاشوا حياتهم آلاف المرات، فما السر في تكالبهم وتهافتهم الشديد، على زيادتها؟ وإلى متى سيبقون مركوبين ومحكومين، بنزعة الجشع الهائلة المسيطرة بقوة عليهم؟ ترى ألا يدركون أن حياتهم أقصر من أن يتمكنوا من صرف هذه الثروات خلالها؟!!
أثرياء.. ولكن
أسئلة كثيرة، يمكن أن تُثار حول هذه الأمور، لكن الغريب والمثير حقاً، تعامي هذه الفئة الفاحشة الثراء والنفوذ، المتواجدة في كل مكان بالعالم المتمدن والمتخلف، النامي وغير النامي، عن حقيقة قصر حياتهم، وخروجهم الأكيد منها، عاجلاً أم آجلاً، بهذا الشكل أو ذاك، وتالياً فإن ثرواتهم القادرة على سد جوع فقراء العالم أجمع، ستؤول لغيرهم. والغريب أن غالبية هؤلاء الموسرين مرضى النفس والروح والعقل، لا يعرفون كيف يستمتعون بثرواتهم، بل ويحرمون أنفسهم من مباهجها، حيث تصبح سعادتهم الحقيقيّة، في زيادتها وتكديسها، وليس في توظيفها لخلق مناخات ترفيه لأجسادهم وأراوحهم، وإسعاد الآخر المحروم والجائع والمحتاج؟!!
وعطب الثروة هذه، لا يطال أرواحهم فقط، بل قد يُصيب أبدانهم ليحرمهم من متع الحياة الماديّة والروحيّة في وقت واحد!!
قد لا نكون مغالين، إذا قلنا أن نسبة كبيرة من الموسرين، مصابين بداء البخل الشديد الذي يدفعهم للتقتير على أنفسهم وأسرهم، ما يوفر لهم فرصة تجميع ثروة كبيرة، يجهدون في تجميعها، ليأتي بعدهم من يجهد نفسه في تبديدها!!
هذه النماذج والحالات من البشر، واقعيّة وموجودة وكثيرة، ومع ذلك، لا يراعي الإنسان، ولا يشعر أو يحس بوضع أخيه المحروم من أبسط مقومات الاستمرار في العيش من أكل وشرب ولباس ومأوى.
العدو اللدود
يُنسب للإمام علي كرم الله وجهه انه قال: لو كان الفقر رجلاً لقتلته، فإذا كنا لا نقدر على قتل الفقر، وتخليص البشرية منه بشكل كامل، فلنحاول تقليصه قدر الإمكان، مانحين الإنسان حياة لائقة تشعره بإنسانيته وكرامته، وتخلصه من الإحساس المر بالغبن والبؤس والاضطهاد والدونيّة. وما نراه هذه الأيام، من جرائم ومشكلات، واغتيالات وتدمير وتخريب للممتلكات والأرزاق، ما هو سوى صرخة احتجاج، يطلقها المسحوقون وسكان (صديد المدن) في وجه العالم، مُذكرين بحالهم، ولافتين الانتباه إلى حياتهم المزرية، وواقعهم البائس!!
فيا أيها المتخمون، التفتوا قليلاً إلى هؤلاء البشر، فهم إخوانكم وشركاؤكم في هذا الكوكب. جاءوا إليه كما جئتم، ولهم فيه ما لكم، أعماركم ليست أطول من أعمارهم، وما لديكم يكفيكم ويكفيهم، وقديماً قيل: إذا كان جارك بخير، فأنت بخير، ورحم الله شاعر المعرة العظيم (أبا العلاء) عندما مس جوهر هذه القضية، وعبّر عنها بصدق نبيل، وبلاغة عظيمة، وصورة مدهشة بقوله:
فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
هذه هي (التشاركيّة) الحقيقيّة بين البشر، وهذه هي (الاشتراكيّة السليمة)، و(تكافؤ الفرص) و(حب الإنسان لأخيه الإنسان) و(التوزيع العادل للثروة)... وهذا هو المدخل الصحيح والسليم، لإنهاء العنف والحروب بين الشعوب والأمم، واجتثاث جذور الجريمة، وإلغاء ظاهرة العدوان والاستعمار والاحتلال والاعتداء. المدخل الذي يعرفه الجميع، ومع ذلك يتعامى عنه معظمهم، ولا يعبرونه إلا بعد فوات الأوان!!
بين القديم و الحديث
المظاهر الشاذة وغير الإنسانيّة بكل المقاييس، باتت تشكل اليوم، موضوع بحث واهتمام جهات كثيرة، رسميّة وخاصة، متعددة الأهداف والغايات. فبعضها يسعى جاهداً لاستبدالها ببيوت لائقة بالبشر، أو تنظيمها وتجميلها وتحسين خدماتها، وإعادة تأهيل مكانها، وبعضها الآخر (لا سيما فئة المهندسين المعماريين والفنانين التشكيليين) يدرسها كناتج طريف ومثير، لحاجة إنسانيّة قديمة - جديدة، هي تأمين المأوى الذي يعني الحماية والأمان والاستقلال، ما زال الإنسان الفقير المعدم، يمارسها كما كان يمارسها إنسان الكهوف والمغائر، إنما بوسائط ووسائل جديدة، أفرزتها التطورات التكنولوجية المتلاحقة التي طاولت مرافق حياة الإنسان المعاصر، فطورت جوانب منها، وأصابت بالعطب والخراب، جوانب أخرى، بعضها مادي، يتعلق بالأمكنة التي يمارس فيها الإنسان حياته اليوميّة كأمكنة السكن، والعمل، واللهو، والعبادة، وبعضها معنوي، يتعلق بروحه وأحاسيسه وأفكاره.
د. محمود شاهين