أبرز ما قدمه عصر النهضة الايطالية (1520-1550) في المئة سنة الأولى هو فن الرسم على الجدران الذي يطلق عليه «الفريسكو» وسمي بهذا الاسم لأن الرسوم فوق الحائط تباشر عندما تكون مادة الجص أو الملاط طرية وغير جافة تماما.

وقد شاع هذا الأسلوب الجديد كثيراً خلال تلك الحقبة التاريخية في العديد من المدن الايطالية، بسبب سهولته وسرعته في تغطية جدران القصور والكنائس، بدلا من الفسيفساء ذات العمل الشاق المطول. ولهذا فإن شيوع هذا النمط الجديد من الفن الجداري في تلك الفترة التأريخية أكسبه تميزاً في الحياة الاجتماعية العامة، وأصبح وسيلة احتلت مكانتها في داخل مسيرة العمل الفني.إن عصر النهضة وهو يطيح بكل القيود العقلية اللاهوتية التي كانت سائدة آنذاك قد هز دولة الكنيسة وما كانت تستحوذ عليه في توجيه الفن، إلا أن هذا العصر لم يتخل عن الطروحات الدينية بقدر ما أتاح للفنان أن يتحرر من أن يكون خاضعاً لسيطرة العقيدة الدينية التي كانت تفرضها الوصاية الكنسية.

حيث أصبح يمتلك حريته في التطرق وتناول كل موضوعات الواقع الاجتماعي اليومي، وبذلك كانت الخطوة التي أهلت الفنان بأن يقوم بدور كبير ومتميز تقع على كاهله مسؤوليات جديدة في الحياة الاجتماعية، ويعامل من خلال دوره هذا على أنه مساهم مرموق في عملية التطور والبناء التي شاعت آنذاك.تقترن بداية عصر النهضة بالفنان (جيوتو دي بوندوني 1276-1337) الفلورنسي الذي طبقت شهرته من خلال خروجه بالفن البيزنطي الذي كان شائعاً بجموده لينطلق بفن الرسم إلى عالم جديد أتاح لمن جاء بعده عبور الحواجز التي تفصل النحت عن التصوير. وأقترب جيوتو بحسه الرومانسي ذي القيمة العالية ليكون مفتاحا يفتح أبواب القدرة الهائلة للتخلص من القيود اللاهوتية في العصر الوسيط حيث كان علمه تحركا جديداً يكاد يخرج من يديه ليلامس حياة الناس.

قلب المفاهيم الفنية

عظمة جيوتو تأتي أيضاً من خلال قلبه للمفاهيم التي كانت سائدة في فهم وظيفة فن العمارة والنحت، إذا كانت الآراء ترى بأن فن النحت مكمل ومتمم لفن العمارة وان الرسم لا يعدو ان يكون دوره زخرفي وتعليمي، حتى ظهر جيوتو لينال التصوير على يديه مكانة لم يظفر بها من قبل، فخط طريقاً احتذاه الفنانون والكبار قرابة ستة قرون برغم ما اعتراه من تنوع، وهو طريق لم يعقه عائق حتى ظهور مدارس الفن المعاصرة التي بدأت بالانطباعية، بعبارة أوضح أن جيوتو نقل الفن من كونه فن رمزي ليكون فنا وجدانيا، وربط بين الكون وعواطف البشر.

إن شرعية عمله الفني وتقدمه تجسدت من خلال خلق تكتيكات شكلية أعطت المشاهد الثقة المتصلة والمعاصرة، فأعماله تعكس التعب والشقاء فهي متكاملة تعرض نفسها وتترجم حركاتها وتتقدم سريعاً على انها موضوعات وأعمال غير معتمة أو صعبة على الفهم ابدا، كما أنه يعتبر الأستاذ الأول الذي أصبح الجسد الإنساني عنده مصدراً للمتعة الجمالية الرئيسية.

كما اهتم بالقيم اللمسية وتنميتها، وأصبحت لديه تمثل المصدر الأساسي للبهجة الجمالية، وانشغل طويلا بالمشاكل المتعلقة بكيفية تصوير الأشخاص، مغفلا الاهتمام السابق بالأنماط الجذابة أو المواقف الدرامية الزائفة في سطح اللوحة، فهي تظل عنده حاملة للعديد من الدلالات الايمائية والحركية التي تثير الخيال عند المشاهد.

إن جيوتو الذي ظهر في بداية القرن الرابع عشر وبقدراته المتعددة كمهندس من الطراز الأول وكرسام ونحات وشاعر وامتلك ثروة كبيرة لم يتجبر بها، حاز على ثقة الناس من خلال سلوكه المعتدل وعمله الفذ المبدع المتطور، والذي انصبت أغلب أعماله في تصوير تعاليم القديس (فرانشيسكو دي اسيسي) الذي يعتبر نموذج الزاهد والمتقشف وأشد رجال الدين رأفة ورفقا بالناس واحبهم إلى قلوبهم.

والذي سرعان ما درك عدم جدوى الخطابة الطنانة والطبيعة العابرة لكافة النظم الاجتماعية (حرام عليكم أن يملك أحدكم شيئا، فما نحن في هذه الحياة الا غرباء يلمون بها المامة الزائرين، ولا مطمع لنا في متعة من متع الحياة، نحيا فقراء ونموت فقراء، همنا هو تقوى الله وخشيته، ولتعيشوا على ثقة بما يجود عليكم المتصدقون، لا تحملوا شيئاً للطريق، لا عصا ولا مزودا ولا خبزاً ولا فضة ولا يكن لأحد منكم ثوبان).

تعبيرية درامية في فن الرسم

هذا الموضوع جعل من اعمال جيوتو متسعا لدراسة الشخوص والحالات والأفكار العميقة التي نهلها من خلال حياته الاجتماعية التي اتسمت هي الأخرى بالبساطة واحتكاكه المباشر بحياة الفقراء والمعوزين والذي نذر القديس (فرانشيسكو) نفسه لأجل الدفاع عنهم، ولهذا يعد جيوتو مفتتح الصورة الجديدة لبدايات العمل الفني العالمي، خارج حدود المحاكاة لما أنتجته الفرشاة البيزنطية والاغريقية أو الرومانية القديمة، إذ اعيد ترتيب الواقعية من جديد من خلال الغور أكثر فأكثر في فهم الحياة الواقعية للناس، فشخوصه وان كانت ضعيفة من ناحية البناء التشريحي المتعارف عليه في خلق احكامات الشكل، من شخوصه تبدو مفاصل أطرافها مغمورة مما يفقدها طواعيتها للحركة.

كما أنه يصور الجبال وكأنها على وفاق دائم مع الشخوص ويكتفي في استخدام الضوء والظل لإبراز الحجم والكتلة اللازمين لاضفاء صورة الشكل الذي يريده، ولكنه في كل الأحوال فإن جدارياته تجبرنا على تجاوز كل تلك الهنات لشاعريتها الغنائية وقدرته الخلاقة في التعبير عن الدلالة الجوهرية للموضوع وهو ما توضحه آخر أعماله في كنيسة سانتا كروتشا (الصليب المقدس) في فلورنسا عن وفاة القديس فرانشيسكو، فقد صور حادث الموت بسبع لوحات جدارية معتمداً على نص كتبه بونا فينتورا الذي يقول فيه (وعندما بلغ النهاية في اتصاله بالملأ الأعلى ليسلم الروح التي تحررت من ربقة الجسدية من أجل الصعود إلى الامجاد السماوية مخلفة وراءها ذلك الجسد الفاني مستغرقا في نومة لا يقظة بعدها.

وكان إلى جواره وهو يلفظ أنفاسه رفيق تجلت له روح القديس وهي صاعدة إلى السماء على صورة نجم متألق من تحته سحابة بيضاء تسطع بنور هذا النجم وهي تتأرجح في صعودها إلى الملاء الأعلى).

فرسم الجثمان بتعبيرية درامية تشعر المشاهد وكأن زمن الموت ليس بعيدا فليس في الجسد المسجي الذي يشع بسكونه واستقراره اية حركة، كما ان الخطوط تتلاقى بانحناءاتها لتكون الثياب والأفراد المحيطين بالجثمان لتشكل قمة الدراما. وتبدو الصور السبعة وكأنها جزء لا ينفصل عن الجدار الذي تزينه الا انها تبدو أكثر حيوية وأكثر قدرة في إعطائها المشاهد المقدرة على التحرك والمشاركة في فهم الجوانب السوسيولوجية للفن وكيفية وجوب دخوله لمراحل معرفية تمتلك المتغيرات المطلوبة.

إبراز قدرة الانحناءة

إن اعتماده على الخط في تركيز جهوده الرائعة من أجل ابراز قدرة الانحناءة وتقوسات الشكل واستقاماته من أجل إظهار بنية الشكل الخارجي والملاح التعبيرية للحركة، اصبح صفة متميزة جديدة بدأها عصر النهضة وظلت هذه الميزة تمثل احدى السمات التأريخية ذات البقاء الخالد معكوسة في سطوح أعمال الكثير من فنانينا المعاصرين، سواء في كنيسة القديس فرانشيسكو في مدينة اسيسي أو كنيسة سانتا كروتشا اتخذت جدارياته أماكنها بمهارة فائقة ضمن النسق المعماري العام للحد الذي جعل كلاً من البنية المعمارية الحاوية على تنويعات خلابة من الحليات المعمارية في الداخل كالمنبار والمذابح ونقوش الأعمدة والعقود والقبوات وشبابيك الزجاج المعشق الملون والسقوف المنحنية، ومن جانب آخر العمل الفني الجداري، كلا منهما يسهم بنصيب قائم ومكمل للآخر.

إن أهم صفة من صفات المفهوم الجمالي لعصر النهضة هي ارتباطه المباشر بالإنتاج الفني، فهذا المفهوم لم يكن ابدا مجرد مفهوم فلسفي رمزي، بل مفهوم جمالي واقعي هدفه حل المسائل المحددة في الفن، فالإنسان الحر لدى جيوتو قد اكتسب من الطبيعة مناعة ضد كل ما هو شر وسلبي ومعيب، كما هو الحال مع الشاعر الكبير (دانتي اليكري 1266-1321) الذي امتدح جيوتو في الكوميديا الالهية في النشيد الحادي عشر (المطهر) تقديراً لعظمته فهو يقول عنه (لقد اعتقد تشيما بوا أنه في فن الرسم راسخ القدم، ولكن الصيحة الحقيقية الان لجيوتو، التي أظلمت شهرة الأول).

لقد كان دانتي الذي امتلك شخصية كبيرة ومتميزة في عملية الغناء الوجودي، قد جعل كل أناشيده موضوعات تخص الاله والطبيعة والإنسان، وزاوج في علاقة روحية مبدعة وغير مفصولة ما بين الرب والإنسان، وبين الإنسان والرب والطبيعة، والتي تعتمد في جوهرها على الخالق والمخلوق والخليقة كوحدة متماسكة، كما بث في كوميديته الالهية التي وصف فيها الخطاة في الجحيم والمطهر.

وهو يعدد خطاياهم تاريخا حيا لإيطاليا وما حولها هكذا كانت هذه الفكرة عند الشاعر دانتي هي محور استقطاب، الديني وغير الديني، اي الحالة والنتيجة، الجذر والثمرة .

ونعود إلى جيوتو وعلمه المبدع الذي جعل من عالم القديس فرانشيسكو دي اسيسي، عالماً يعيشه كل الناس، ليس عالماً لقلاع مزخرفة بالذهب والاحجار الكريمة كما هي الحال في الفن البيزنطي أو الفن الرومانتيكي المبكر، بل ان عوالمه المقدسة هي عوالم دنيوية، فالمسيح عند ابن الإنسان بعيد عن الجمود.

كما يلاحظ ذلك في العديد من أعماله الجدارية، تتسم بالذكاء والفطنة التهكمية الحادة اللاذعة، فهي توازن مثالي بين متطلبات الواقعية الموضوعية والايحاءات العليا لتدين مثالي اعتبر من خلال اعماله هذه سيد الفراغ في العمل الفني، اذ ان سطوح اعماله الجدارية وسعة احكاماته في ملء الفراغ للحد الذي جعل منه بناء عظيماً لوضع الشخصيات والكتل وتحديد شكل العلاقات والتضاد والتوترات فيما بينها.

ابن خالد للزنبقة الحمراء

ان جيوتو فنان رائد ليس في عكس الواقع السائد للحياة الاجتماعية على سطوح العمل الجداري، انما أصبحت الصورة لديه بفراغاتها الواسعة وتركيباتها الدقيقة ذات قدرة عالية في امتلاك حرية الحركة والتعبير الإنساني. لقد أثرت على أعماله طبيعة المدينة التي عاشها وهي فلورنسا والتي كانت تمثل الاساس المتطور لعصر النهضة، فالمدينة التي هي عبارة عن مجموعة من الهياكل السامقة ومجاميع كبيرة من الانصبة والأبراج والكنائس المتشابك تم بناؤها على أيدي جهابذة الفن الكبار والذي غزى فنهم كل العالم، كل ذلك خلقت من جيوتو نقلة تاريخية ونقدية في آن واحد لطبيعة العصر الذي عاشه في مدينة فلورنسا التي يطلق عليها اسم (الزنبقة الحمراء) المبجلة بتاريخ فنونها الممتد من دانتي إلى زمن بوكاتشسو وهي تنحدر على الهضاب لتحاذي نهر الارنو الذي شهد عبر قرون عديدة حروباً وانكسارات وصدامات ومنازعات وثورات.

موسى الخميسي